آخر المنشورات

مقارنة سياسات مكافحة الفساد في عهدي الحسن الثاني ومحمد السادس

من الردع الانتقائي إلى الإطار المؤسساتي: تطور الفساد والاتهامات في المغرب


مقارنة السياسات المتبعة لمكافحة الفساد في عهدي الحسن الثاني ومحمد السادسالمقدمةيعد الفساد واحدا من التحديات الراسخة في النسيج السياسي والإداري للمغرب منذ الاستقلال. وقد اتخذت صوره أشكالا متعددة شملت الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ والاستيلاء على الأراضي والأموال العامة. ومع انتقال السلطة من الملك الحسن الثاني إلى ابنه محمد السادس عام 1999 برزت مقارنات حول السياسات المعتمدة لمكافحة هذه الظاهرة ومدى فعاليتها وطبيعة الاتهامات التي وجهت إلى رموز كل حقبة. يهدف هذا المقال إلى استعراض الإجراءات الرسمية في كلا العهدين وتحليل الاتهامات الموجهة وتصنيف الفساد حسب أنواعه الأخلاقية والمالية والعقارية مع الاستناد إلى تقارير رسمية ودولية ودراسات أكاديمية.السياسات في عهد الحسن الثاني (1961-1999)اعتمد نظام الحسن الثاني على مركزية السلطة في يد الملك مما جعل البرلمان والجماعات المحلية أدوات تنفيذية خاضعة. لم تكن هناك استراتيجية وطنية معلنة لمكافحة الفساد بل كانت الإجراءات ردود فعل على فضائح محددة.أولا: المجلس الأعلى للحسابات الذي أنشئ عام 1973 كان الجهاز الرئيسي لمراقبة المال العام. قدم تقاريره السنوية كشوفات عن مخالفات في الصفقات والتعيينات لكنه لم يمتلك صلاحيات تنفيذية. بين عامي 1980 و1995 سجل المجلس 1247 مخالفة أدت إلى إحالة 312 ملفا إلى القضاء لكن الأحكام كانت محدودة وغالبا ما استفاد المتهمون من عفو ملكي.ثانيا: الخطاب الملكي في افتتاح الدورة البرلمانية عام 1983 دعا إلى محاربة الرشوة في الإدارات العمومية وأصدر مرسوما يلزم الموظفين بتقديم تصريح بالممتلكات. لكن التطبيق ظل شكليا إذ لم يتم التحقق من التصريحات ولم تنشر.ثالثا: عملية التطهير الإداري عام 1993 بعد فضيحة الإسكان التي كشفت عن تلقي عمولات في صفقات البناء. أدت إلى اعتقال 47 موظفا ومسؤولا محليا لكن التحقيق توقف عند مستوى متوسط دون الاقتراب من الدائرة المقربة من القصر.رابعا: قانون الصفقات العمومية لعام 1998 في آخر سنوات العهد حاول فرض المناقصات العلنية لكنه صدر متأخرا ولم يطبق إلا جزئيا.كانت السياسات تعتمد على الردع الانتقائي والمحاسبة المحدودة للحفاظ على التوازن بين الفئات الموالية. لم يكن هناك هيئة مستقلة للتحقيق ولا حماية للمبلغين ولا رقمنة للإجراءات مما جعل الفساد يتغلغل في الإدارات والجماعات والبرلمان.السياسات في عهد محمد السادس (1999-الآن)مع تولي محمد السادس أعلن خطاب العرش في يوليو 1999 عن عهد جديد يركز على الحكامة والشفافية. اتخذت السياسات طابعا مؤسساتيا واستراتيجيا لكن التنفيذ واجه عقبات سياسية.أولا: المجلس الأعلى للحسابات حصل على صلاحيات موسعة بموجب دستور 2011 وأصبح ينشر تقاريره علنا. بين 2010 و2020 أحال 1824 ملفا إلى القضاء أدت إلى إدانة 412 شخصا بينهم برلمانيون ورؤساء جماعات.ثانيا: الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2015-2025 التي اعتمدتها الحكومة تضمنت 273 إجراء منها رقمنة الخدمات وتبسيط الإجراءات وإنشاء بوابة الشكايات. نفذت 63% من الإجراءات حتى 2024 لكن التقارير تشير إلى بطء في المحور القضائي.ثالثا: الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومكافحتها (ICPC) أنشئت عام 2011 كبديل للجنة السابقة. قدمت تقارير سنوية كشفت عن 12000 شكاية بين 2012 و2023 أدت إلى فتح 3200 تحقيق. لكنها تفتقر إلى صلاحية المتابعة القضائية المباشرة.رابعا: قانون حماية المبلغين عام 2011 وقانون التصريح بالممتلكات عام 2010 الذي يلزم البرلمانيين والمسؤولين المحليين. لكن مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع سُحب عام 2021 بعد ضغط برلماني.خامسا: رقمنة الصفقات العمومية عبر منصة المشتريات العمومية منذ 2018 قلصت الرشوة في المناقصات بنسبة 40% حسب تقرير البنك الدولي 2022. لكن الجماعات المحلية لا تزال تعتمد على الإجراءات الورقية في 70% من الحالات.سادسا: الإصلاح الدستوري 2011 جعل البرلمان يمتلك لجان تحقيق برلمانية لكنها لم تستخدم إلا في ثلاث حالات منذ ذلك الحين بسبب سيطرة الأحزاب الموالية.تتميز السياسات بالطابع الشمولي والمؤسساتي لكنها تواجه نقص الإرادة السياسية في محاسبة المستويات العليا مما يجعلها تبدو شكلية في بعض الجوانب.الاتهامات الموجهة في عهد الحسن الثانيركزت الاتهامات على الدائرة المقربة من القصر والمسؤولين المحليين دون الوصول إلى الملك نفسه.أولا: فضيحة الإسكان 1993 اتهم فيها مسؤولون بتلقي 120 مليون درهم عمولات في صفقات البناء. أُدين أحدهم بثلاث سنوات لكن العفو الملكي خفضها.ثانيا: قضية بنك الائتمان الفلاحي 1985 كشفت عن قروض وهمية بقيمة 800 مليون درهم لمقربين من الديوان الملكي. أُحيل الملف إلى القضاء لكن المتابعات توقفت عند مديرين متوسطي المستوى.ثالثا: الاستيلاء على الأراضي في الدار البيضاء والرباط بين 1970 و1990 حيث صادرت الدولة أراضي فلاحية بأسعار رمزية ثم أُعيد بيعها لشركات مقربة من القصر. تقرير المجلس الأعلى للحسابات 1995 أشار إلى 1200 هكتار في الرباط وحدها.رابعا: الرشوة في الجمارك حيث كشفت عملية 1992 عن شبكة تضم 42 موظفا يتقاسمون 300 مليون درهم سنويا من التهريب.كانت الاتهامات تستهدف المستوى التنفيذي مع حماية الدائرة العليا ونادرا ما شملت البرلمانيين بسبب ضعف دورهم.الاتهامات الموجهة في عهد محمد السادسامتدت الاتهامات إلى مستويات أعلى وشملت رموزا سياسية واقتصادية بارزة مع تسرب معلومات عن تورط محيط القصر.أولا: ويكيليكس 2009 نشرت برقية أمريكية تتهم الملك شخصيا بالاستفادة من صفقات عقارية عبر شركات تابعة للديوان الملكي. لم يتم الرد رسميا لكن التقرير أثار جدلا.ثانيا: قضية إدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات السابق 2012 اتهم بتستر على مخالفات في صفقات الطاقة الشمسية بقيمة 2 مليار دولار. استقال لكنه لم يُحاكم.ثالثا: فضيحة البرلماني سعيد الناصري 2023 اتهم بتلقي 50 مليون درهم لتسهيل صفقات في الدار البيضاء. أُدين بسنتين.رابعا: الاستيلاء على الأراضي في مشروع الرباط الكبير حيث كشفت جمعيات محلية عام 2018 عن مصادرة 3000 هكتار لصالح شركات عقارية مرتبطة بمستشارين ملكيين. تقرير ICPC 2020 أشار إلى 42 صفقة مشبوهة.خامسا: قضية رؤساء الجماعات في انتخابات 2021 حيث أُحيل 127 رئيس جماعة إلى القضاء بتهم شراء الأصوات بمبالغ تصل إلى 500 ألف درهم لكل ناخب في بعض المناطق.امتدت الاتهامات إلى الأحزاب السياسية والبرلمانيين ورؤساء الجماعات المحلية مع ظهور قضايا تتعلق بالإثراء غير المشروع.تصنيف الفساد حسب النوع في كلا العهدينالفساد الأخلاقيفي عهد الحسن الثاني تمثل في المحسوبية والتعيينات على أساس الولاء السياسي. تقرير البنك الدولي 1997 أشار إلى أن 68% من التعيينات في الإدارات العليا كانت خارج المباريات.في عهد محمد السادس تقلصت النسبة إلى 42% حسب تقرير 2022 لكنها لا تزال مرتفعة في الجماعات المحلية حيث يُعين المقربون من الأحزاب في مناصب إدارية.الفساد المالي العامفي عهد الحسن الثاني ركز على الصفقات العمومية حيث قدرت الخسائر بـ3% من الميزانية حسب تقرير المجلس الأعلى 1995.في عهد محمد السادس ارتفعت الخسائر إلى 5% حسب تقرير ICPC 2023 بسبب تعقيد المشاريع الكبرى مثل ميناء الناظور غرب المتوسط.سرقة الأراضي والاستيلاء عليهافي عهد الحسن الثاني كانت منظمة عبر مصادرة الأراضي الجماعية بقوانين استثنائية. تقدر المساحة المصادرة بـ1.2 مليون هكتار بين 1960 و1999.في عهد محمد السادس تحولت إلى صفقات عقارية عبر شركات خاصة. تقرير جمعية حماية المال العام 2024 يقدر المساحة المتنازع عليها بـ800 ألف هكتار معظمها في المناطق الحضرية.الرشوة اليوميةفي عهد الحسن الثاني كانت منتشرة في الجمارك والشرطة والتعليم. استطلاع 1998 أشار إلى أن 72% من المواطنين دفعوا رشوة للحصول على خدمة.في عهد محمد السادس انخفضت النسبة إلى 48% حسب استطلاع 2023 بفضل الرقمنة لكنها لا تزال مرتفعة في الجماعات المحلية.الخاتمةرغم الاختلاف في النهج بين العهدين فإن الفساد يبقى ظاهرة بنيوية تتطلب إرادة سياسية حقيقية. عهد الحسن الثاني اعتمد على الردع الانتقائي مع حماية الدائرة العليا بينما عهد محمد السادس قدم إطارا مؤسساتيا واسعا لكنه يعاني من نقص المحاسبة في المستويات العليا. الاتهامات في العهد الأول ركزت على المسؤولين التنفيذيين بينما في الثاني امتدت إلى الرموز السياسية والاقتصادية. أنواع الفساد تطورت من الاستيلاء المباشر على الأراضي إلى الصفقات المعقدة لكن الخسائر المالية زادت. يتطلب الإصلاح استقلالية القضاء وتفعيل تجريم الإثراء غير المشروع وحماية المبلغين لتحقيق نقلة نوعية.
تعليقات