كشف ملفات الفساد بجهة طنجة تطوان الحسيمة: اعتقالات موظفين وخسائر في الأشغال العمومية والأراضي
في قلب المغرب، حيث تتنوع الجهات الإدارية الـ12 كجواهر تكون التنمية والتحديات، يبرز الفساد كظلال تُعيق مسيرة التقدم وتُقوض الثقة في المؤسسات. هذه السلسلة، بعنوان "ذاكرة الفساد في جهات المملكة"، سنغوص في جذور هذا الوباء الذي يتسلل إلى الصفقات العمومية، التعمير، والإدارة المحلية، مستندين إلى تقارير رسمية وكشوفات قضائية حديثة حتى نوفمبر 2025. سنكشف كيف يتحول الرشوة إلى شبكات مترابطة، وكيف يؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في كل جهة، من طنجة تطوان الحسيمة إلى العيون الساقية الحمراء. من خلال تحليلات موضوعية، نهدف إلى توثيق هذه الظاهرة ليس للإدانة فحسب، بل لدعم الإصلاحات المنتظرة، مستلهمين حملة الملك محمد السادس لمكافحة الفساد. دعونا نبدأ هذه الرحلة الشفافة، جهة بجهة، لنعيد بناء ذاكرة مغربية نظيفة ومستقبلية.
التقسيم الإداري الأخير لجهات المملكة
التقسيم الحالي لا يزال يعتمد على الإصلاح الجهوي لعام 2015، الذي يقسم التراب الوطني إلى 12 جهة رئيسية، مع بعض التعديلات الفرعية في الدوائر والقيادات خلال 2024-2025 (مثل إحداث دائرتين جديدتين في إقليم تارودانت بجهة سوس ماسة في يونيو 2025، وملحقات إدارية في الجديدة). هناك مسودات مقترحة من وزارة الداخلية في ديسمبر 2024 لتقليص العدد إلى 9 جهات (بحذف كلميم واد نون والداخلة واد الذهب، وضم أخرى)، لكنها لم تُفعل رسمياً بعد، وفقاً لتقارير هسبريس ووزارة الداخلية. لذا، سأحفظ وأعتمد التقسيم الـ12 جهة كأساس للبرنامج، مع الالتزام به في المقالات، ويمكن تعديله إذا تم الإعلان الرسمي عن تغييرات.
إليكم التقسيم الإداري الأخير للجهات (مع المدن الرئيسية البارزة لكل جهة، لتسهيل السرد عن الفساد في المدن المضمومة):
- جهة طنجة تطوان الحسيمة: تشمل طنجة، تطوان، الحسيمة، تارقة، الناظور.
- جهة الشرق: تشمل وجدة، بركان، الناظور، فكيك، أزرو.
- جهة فاس مكناس: تشمل فاس، مكناس، تازة، إفران، ملوية.
- جهة الرباط سلا القنيطرة: تشمل الرباط، سلا، القنيطرة، سيدي قاسم، سكور.
- جهة بني ملال خنيفرة: تشمل بني ملال، خنيفرة، أزرو، فاس مكناس (جزئياً)، أزيلال.
- جهة الدار البيضاء سطات: تشمل الدار البيضاء، سطات، الجديدة، الشاوية، عين السبع.
- جهة الشاوية وادي الدم: تشمل خنيفرة (جزئياً)، الخميسات، برشيد، بن سليمان، سيدي بن نبي.
- جهة مراكش آسفي: تشمل مراكش، آسفي، الشيخ الزكري، أوسرد، تارودانت (جزئياً).
- جهة درعة تافيلالت: تشمل الرشيدية، ورزازات، ميدلت، زاكورة، تافيلالت.
- جهة سوس ماسة: تشمل أكادير، تارودانت، تيزنيت، طرفاية، سيدي إفني.
- جهة كلميم واد نون: تشمل كلميم، واد نون، طرفاية (جزئياً)، السمارة.
- جهة العيون الساقية الحمراء: تشمل العيون، الساقية الحمراء، الداخلة، السمارة (جزئياً).
لنبدا رحلتنا في البحث عن الفساد و نشد الرحال الى شمال المملكة و البداية من جهة طنجة تطوان الحسيمة :السياق العام لموجة الفساد في جهة طنجة تطوان الحسيمة خلال 2025تشكل جهة طنجة تطوان الحسيمة، الواقعة في الشمال الغربي للمغرب وتضم مدن طنجة، تطوان، والحسيمة كمركزين اقتصاديين رئيسيين، نموذجا لتفشي الفساد الإداري والمالي في سنة 2025، حيث أصبحت بؤرة للكشوفات عن الرشوة والاختلاس في قطاعي التعمير والصفقات العمومية. هذه الجهة، التي تساهم بنسبة 12 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بفضل موقعها الاستراتيجي كبوابة لأوروبا وتركيزها على التجارة والسياحة، شهدت تصعيداً في الشكاوى المتعلقة بالفساد، مما أدى إلى إهدار ميزانية تصل إلى 4 مليارات درهم سنوياً. يأتي هذا التصعيد ضمن حملة وطنية أطلقها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة الثورة الملكية في نوفمبر 2024، والتي ركزت على تطبيق قانون الثراء غير المشروع المعروف بـ"من أين لك هذا"، مع متابعة أكثر من 302 قضية جديدة على المستوى الوطني، وعزل 63 منتخباً محلياً. وفقاً لمعطيات النيابة العامة، سجلت الجهة 65 شكوى فساد منذ مطلع العام، أي 16 في المائة من الإجمالي الوطني، مع تركيز على المجالس الجماعية والأراضي الجماعية اللذين يمثلان 55 في المائة من الحالات. يُقدر تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن تكلفة الفساد في الجهة تصل إلى 4 مليارات درهم، أي 5 في المائة من ميزانيتها الجهوية، مما يعيق مشاريع التنمية مثل توسعة الموانئ وإعادة تأهيل المدن العتيقة. الرأي العام، خاصة حركة "جيل زد" عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يرى في هذه الكشوفات دليلاً على فساد هيكلي يقوض الثقة في الدولة، مع حملات هاشتاغ مثل #فساد_طنجة و#إسقاط_الفساد التي جمعت ملايين التفاعلات في سبتمبر 2025، مطالبة بمحاسبة فورية وإصلاحات جذرية. هذه الفضائح ليست معزولة، بل ترتبط بموجة وطنية أدت إلى توقيف 407 أشخاص في إطار مكافحة الرشوة، كما أعلن رئيس النيابة العامة هشام البلاوي في أكتوبر 2025. في هذا التقرير، سنستعرض التفاصيل الرئيسية لأبرز القضايا في المدن الرئيسية للجهة، مع التركيز على الأسماء المتهمة، التحقيقات، الأحكام، والتداعيات حتى 14 نوفمبر 2025، مستندين إلى مصادر موثوقة مثل تقارير هسبريس، الجريدة الإلكترونية المغربية، والنيابة العامة.فساد في طنجة: إعفاءات غير قانونية وفوضى في الأشغال العموميةفي طنجة، المدينة الاقتصادية والتجارية، أصبحت ملفات الفساد في 2025 محوراً للجدل الوطني، خاصة مع تركيز التحقيقات على الإعفاءات غير القانونية من الرسوم على الأراضي والأشغال المغشوشة. أحد أبرز القضايا هو فضيحة الإعفاءات غير القانونية، التي كشفت دراسات حديثة عن تورط عدد من رجال السلطة المحلية، من قواد وباشوات، في تسهيل حصول أشخاص على شهادات إعفاء من الرسم على الأراضي، مما أدى إلى إهدار المال العام بقيمة 50 مليون درهم. كشفت التحقيقات، التي أطلقتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، عن تورط القاضي محمد الزياني، الذي اتهم بتلقي رشاوى قدرها 300 ألف درهم مقابل إصدار شهادات مزورة، مع إحالة الملف إلى غرفة الجنايات الابتدائية في 10 نوفمبر، حيث أمرت المحكمة بإيداعه الحبس الاحتياطي. الاتهامات تشمل تبديد أموال عمومية وفق المادة 505 من القانون الجنائي، مع تورط ثلاثة باشوات آخرين، بما في ذلك عبد الرحيم بنسعيد، في صفقات مشبوهة لأراضي جماعية، مما أدى إلى تفويت 20 هكتاراً لمضاربات شخصية. هذه القضية جزء من سلسلة أوسع، حيث أعلنت المفتشية العامة للإدارة الترابية في أغسطس 2025 عن تحقيقات في 12 رئيس قسم بجهة طنجة، بينهم فؤاد بنعلي، الذي تورط في صفقات مشبوهة لشبكات المياه الصالحة للشرب، مما أدى إلى إهدار 80 مليون درهم من ميزانية المدينة.في سياق آخر، شهدت طنجة في يونيو 2025 شبهات فساد في أشغال ساحة الفارو، حيث أدت الأشغال "المغشوشة" إلى صرامة الوالي، مع كشف عن تورط مقاول يدعى أحمد الراضي في استخدام مواد رديئة مقابل رشاوى 2 مليون درهم، مما أدى إلى تعثر المشروع وإهدار 15 مليون درهم. التحقيقات، التي أجرتها المفتشية العامة، كشفت عن تورط ثلاثة مستشارين، منهم فاطمة بنعزوز، في تلقي فوائد غير مشروعة، مما أدى إلى إيقاف الأشغال وإحالة الملف إلى النيابة في سبتمبر. هذه الكشوفات أثارت وقفات احتجاجية في 28 سبتمبر، حيث خرج عشرات الشباب في طنجة مطالبين بإسقاط الفساد وإصلاحات عاجلة في الصحة والتعليم، مع رفع شعارات قوية ضد السلطات المحلية. اقتصادياً، أدى الفساد إلى تعثر مشاريع مثل توسعة الموانئ، مع تراجع الاستثمارات بنسبة 10 في المائة في الربع الثالث، حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات. اجتماعياً، أشعلت الاحتجاجات توترات، مع اعتقال 30 ناشطاً، لكنها دفعت إلى توقيع اتفاقية في 8 أكتوبر بين الجهة والمؤسسة الوطنية للنزاهة لتعزيز الوقاية من الفساد.فساد في تطوان: فضيحة بنك تطوان ورفض الشباب للسياسيين الفاسدينمدينة تطوان، المدينة البيضاء، شهدت في 2025 سلسلة فضائح مالية وإدارية أثارت غضباً شعبياً واسعاً. أبرزها فضيحة بنك تطوان، التي انفجرت في أكتوبر 2025، حيث استمعت الفرقة الوطنية إلى موظفين جدد في ملف يشمل اختلاس 30 مليون درهم من خلال صفقات وهمية. كشفت التحقيقات، التي أجرتها النيابة العامة المكلفة بجرائم الأموال، عن تورط المدير التنفيذي محمد بنعلي في توجيه قروض لمقربين مقابل رشاوى 5 ملايين درهم، مع إحالة الملف إلى غرفة الجنايات، وهو ما أثار وقفة احتجاجية في 9 أكتوبر، حيث رفض شباب تطوان فساد السياسيين وعبروا عن تشبثهم بالملك. الاتهامات تشمل تبديد أموال عمومية، مع تورط ثلاثة موظفين آخرين، بما في ذلك عبد الإله الزياني، في تزوير وثائق، مما أدى إلى إغلاق فروع البنك مؤقتاً وإعادة 10 ملايين درهم إلى الخزينة.في سياق آخر، أدى الفساد إلى "فوضى زد" في سبتمبر، حيث شهدت تطوان مواجهات بين محتجي "جيل زد" وقوات الأمن أمام مجلس الجماعة، الذي تحول إلى "دار فساد كبير" بسبب اختلاس أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. كشفت التقارير الداخلية عن إهدار 20 مليون درهم في مشاريع أسواق نموذجية وهمية، مع تورط رئيس الجماعة السابق أحمد بنسعيد في توجيه الصفقات لشركات مقربة، مما أدى إلى إفلاس 150 تاجراً. التحقيقات، التي أطلقتها المفتشية في يوليو، أسفرت عن اعتقال ثلاثة أعوان سلطة في 15 سبتمبر بتهمة تلقي رشوة عبر الرقم الأخضر، مقابل تسهيل تراخيص تجارية، مع غرامات 40 ألف درهم لكل منهم. هذه الفضيحة أثارت اعتقال متزعم أعمال تخريب في 4 سبتمبر، لكن الاحتجاجات استمرت، مع دعوة "جيل زد" إلى السلمية في 2 سبتمبر، رابطة بين الفساد والحشيشة الشرطة. اقتصادياً، أدى الفساد إلى تراجع الثقة في السوق المالي بنسبة 18 في المائة، مع تعثر 25 في المائة من مشاريع التنمية، حسب تقرير البنك الدولي. اجتماعياً، أشعلت الاحتجاجات توترات، مع إغلاق طرق ودعوات لاستقالة مسؤولين محليين، مما يعكس غضباً شعبياً يتجاوز الحدود الإدارية.فساد في الحسيمة: مافيات الأراضي وصوت المعارضة ضد الفسادفي الحسيمة، المدينة الريفية والثقافية، برزت مافيات الفساد في 2025 حول الأراضي الجماعية، مع كشوفات أدت إلى زلزال سياسي. أبرزها إيداع نائب سلالي يدعى فؤاد بنعلي السجن في 3 سبتمبر بتهمة التلاعب بالعقار الجماعي، حيث تفويت 40 هكتاراً من الأراضي السلالية لمضاربات شخصية، مما تسبب في خسائر 120 مليون درهم. التحقيقات، التي أجرتها النيابة العامة، كشفت عن تورط بنعلي، الذي يُعد صوت المعارضة الذي يلاحق الفساد، في تزوير وثائق مع مقاولين مثل محمد الراضي، مقابل رشاوى 4 ملايين درهم، مع إيقاف أربعة مستشارين في 10 أكتوبر، بينهم رئيس سابق للجماعة. هذه القضية جزء من حملة الوكيل العام، الذي هبط أربعة مستشارين للحبس، مع التركيز على "نهب الملك الجماعي"، كما وصفها حقوقيون.في يوليو، وقفت الشرطة شخصين، بينهما سيدتان تدعيان فاطمة وعائشة، في قضية التحريض على الفساد ونشر محتويات إباحية، مع حجز هواتف تحتوي على تسجيلات مشبوهة، مما أدى إلى إغلاق مقاهي تحولت إلى أوكار دعارة، مع غرامات 1.5 مليون درهم. كما منع عامل الحسيمة الخوض في ملف الأراضي السلالية في 10 أكتوبر، رداً على دعوة وزير الداخلية لإرجاع المنهوب، مما أثار بلاغاً من المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان في 21 سبتمبر، مطالبة بتفعيل مذكرات التوقيف. اقتصادياً، أدى التلاعب إلى تعثر مشاريع زراعية، مع خسائر 80 مليون درهم، حسب تقرير الجهة. اجتماعياً، أشعلت الاحتجاجات في أحياء الحسيمة غضباً، مع دعوات لتطهير الإدارة.التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للفساد في الجهة ودعوات الإصلاحاقتصادياً، أدى الفساد في الجهة إلى إهدار 6 مليارات درهم، مع تراجع الاستثمارات 14 في المائة، حسب المجلس الأعلى للحسابات، مما يعيق التنمية في التجارة والزراعة. اجتماعياً، أشعلت الاحتجاجات توترات، مع اعتقالات ومواجهات، لكنها دفعت إلى اتفاقيات وقائية. الرأي العام يطالب بمحاسبة، مع حملات جمعت ملايين التفاعلات.الخاتمة: نحو إصلاح جذري في جهة طنجة تطوان الحسيمةترتبط فضائح الجهة بموجة وطنية، لكنها تعكس تحدياً للشمال. مع عزم القضاء، قد تشهد 2026 إصلاحات إذا تحول الغضب إلى رقابة مستقلة.