آخر المنشورات

مأساة الفيضانات في آسفي: يوم أسود يهز المدينة الساحلية

فيضانات آسفي المفاجئة: كارثة طبيعية تخلف 21 قتيلا وخسائر جسيمة في المغرب


مقدمة : فيضانات اسفي كارثة طبيعية تهز المغربفي يوم اسود على مدينة اسفي المغربية الواقعة على ساحل المحيط الاطلسي اجتاحت فيضانات مفاجئة الاحياء والازقة مخلفة وراءها دمارا بشريا وماديا هائلا. هذه الكارثة التي وقعت في الرابع عشر من ديسمبر عام الفين وخمس وعشرين ادت الى مصرع واحد وعشرين شخصا على الاقل واصابة عشرات اخرين بالاضافة الى مفقودين محتملين. وتعد هذه الحادثة من اكبر الكوارث الطبيعية التي شهدتها المدينة في السنوات الاخيرة مما يعكس هشاشة البنية التحتية امام تقلبات المناخ المتزايدة. وفي هذا المقال سنستعرض تفاصيل هذه الفيضانات اسبابها وتاثيراتها وجهود الاستجابة مع النظر في السياق التاريخي والدروس المستفادة لتجنب تكرار مثل هذه الماسي في المستقبل.
عرضتبدا القصة مع هطول امطار غزيرة مفاجئة استمرت لساعة واحدة فقط لكنها كانت كافية لتحويل الشوارع الى انهار جارفة. وقد وصفت السلطات المحلية هذه الامطار بانها رعدية استثنائية ادت الى تدفقات فيضانية عنيفة في اقليم اسفي. وفقا للتقارير الرسمية غمرت المياه نحو سبعين منزلا ومحلا تجاريا خاصة في المدينة القديمة المعروفة باسم المدينة حيث ارتفع منسوب المياه بشكل سريع ومفاجئ مما ادى الى غرق الاحياء السفلى وانجراف السيارات والممتلكات. وفي مشاهد صادمة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر السكان وهم يحاولون السباحة للنجاة بينما تغمر المياه المنازل وتجرف كل ما في طريقها. ومن بين المناطق الاكثر تضررا كانت منطقة باب الشعبة التي تحولت الى ممر للمياه الجارفة مما يذكر بان هذه المناطق كانت تاريخيا مجاري طبيعية للامطار والفيضانات لكن البناء العشوائي والاهمال جعلها عرضة للكوارث.

اما عن الاسباب الرئيسية لهذه الفيضانات فتعود في المقام الاول الى التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة. فالمغرب كغيره من دول شمال افريقيا يعاني من زيادة في شدة الامطار الرعدية خلال فصل الشتاء بسبب الاحتباس الحراري الذي يعزز من تكون العواصف الاستوائية. وفقا لدراسات علمية سابقة فان سواحل المحيط الاطلسي في المغرب عرضة لاحداث موجية قصوى ناتجة عن الاعاصير الاستوائية التي تعبر المنطقة. كما يلعب دورا كبيرا نقص البنية التحتية المناسبة لتصريف المياه حيث ان العديد من الاحياء في اسفي بنيت بدون مراعاة للمجاري الطبيعية مما يؤدي الى تراكم المياه بسرعة. واضف الى ذلك عدم التحذير المبكر الكافي من قبل الجهات المسؤولة رغم توفر تقارير جوية تشير الى احتمالية هطول امطار غزيرة. فقد انتقد بعض السكان والناشطين على وسائل التواصل السلطات المحلية لتاخرها في ارسال فرق الانقاذ واغفال التحذيرات الجوية مما زاد من حجم الخسائر. وفي سياق متصل يشير الخبراء الى ان الاهمال في صيانة الشبكات الطرقية والمجاري يساهم في تفاقم مثل هذه الكوارث حيث ان المياه تجمعت بسرعة في الازقة الضيقة دون مخرج.
اما التاثيرات فكانت مدمرة على جميع الاصعدة. فقد ارتفع عدد القتلى الى واحد وعشرين شخصا بحسب الاحصاءات الرسمية مع احتمالية ارتفاعه اكثر مع استمرار عمليات البحث عن المفقودين. ومن بين الضحايا نساء واطفال غرقوا داخل منازلهم او جرفتهم السيول في الشوارع. كما اصيب اكثر من اثنين وثلاثين شخصا بجروح متفاوتة الخطورة وهم يخضعون للعلاج في المستشفيات المحلية. وفيما يتعلق بالخسائر المادية فقد غمرت المياه عشرات المنازل والمحلات التجارية خاصة في الحي القديم مما ادى الى تدمير الممتلكات والسلع التجارية. وتقدر الخسائر الاولية بملايين الدراهم خاصة في قطاع التجارة والسياحة الذي يعتمد على المدينة القديمة كمركز جذب. كما قطعت الفيضانات الطرق الرئيسية وشبكات الكهرباء والمياه مما ادى الى تعليق الدراسة في جميع المؤسسات التعليمية بالاقلیم. وعلى الصعيد الاجتماعي عبر السكان عن حزنهم العميق ووصفوا اليوم بانها يوم اسود على المنطقة حيث روى الناجون تفاصيل مروعة عن كيفية غرق ممتلكاتهم وكادت ان تودي بحياتهم. وفي ظل هذه الكارثة يبرز القلق من تفاقم الفقر والتشرد بين السكان المتضررين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.

في مواجهة هذه الكارثة كانت الاستجابة الرسمية سريعة نسبيا بعد البداية البطيئة. فقد نشرت السلطات المحلية فرق الوقاية المدنية والجيش لانقاذ العالقين والبحث عن المفقودين. واستمرت عمليات الإنقاذ حتى ساعات متاخرة من الليل حيث تم انتشال الجثث ونقل الجرحى الى المستشفيات. كما اعلنت وزارة الداخلية عن تعبئة كافة الوسائل لمساعدة المتضررين بما في ذلك توزيع المساعدات الغذائية والطبية. وشارك المجتمع المدني في الجهود حيث توحدت الجمعيات المحلية مع الدولة لتقديم الدعم النفسي والمادي للعائلات المكلومة. وفي بيان رسمي اكدت محافظة اسفي على استمرار عمليات الإنقاذ وإعادة تشغيل الشبكات الطرقية والخدمات الاساسية. كما دعت السلطات السكان الى الحذر والابتعاد عن المناطق المنخفضة في حال تكرار الامطار. وعلى المستوى الدولي عبرت بعض الدول عن تعازيها واستعدادها لتقديم المساعدة مما يعكس التضامن الدولي مع المغرب في مثل هذه الكوارث.
ليس هذا الحدث الاول من نوعه في تاريخ المغرب فالفيضانات تكررت في السنوات الماضية في مناطق مختلفة. على سبيل المثال شهد وادي اوريكا في جبال الاطلس الكبير فيضانات مدمرة في الاعوام 1984 و1987 و1995 و1999 و2014 مما دفع السلطات الى البحث عن حلول للسيطرة على السيول. وفي عام الفين وثلاثة وعشرين ادت فيضانات في مناطق اخرى الى خسائر بشرية واقتصادية كبيرة. اما في اسفي تحديدا فان موقعها الساحلي يجعلها عرضة للاحداث الموجية الشديدة كما حدث في الماضي مع صخور اسفي التي تشهد على احداث موجية قصوى سابقة. وهذا يؤكد على ضرورة دراسة التاريخ الجيولوجي والمناخي للمناطق لتجنب الكوارث. ففي كل مرة تكشف هذه الاحداث عن ضعف الاستعدادات والحاجة الى استثمارات في البنية التحتية مثل بناء السدود وتحسين نظم التصريف.

من الدروس المستفادة من فيضانات اسفي يبرز الحاجة الملحة الى تعزيز نظم التحذير المبكر والتعليم الوقائي للسكان. فالسلطات يجب ان تطور تطبيقات جوية وانظمة اعلامية لتحذير السكان مسبقا من الامطار الغزيرة. كما ينبغي التركيز على بناء مدن مستدامة تاخذ بعين الاعتبار المخاطر المناخية مثل تحسين مجاري المياه ومنع البناء في المناطق المنخفضة. وعلى الصعيد الوطني يدعو الخبراء الى وضع استراتيجية وطنية لمواجهة التغير المناخي تشمل الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا للتنبؤ بالكوارث. كما يجب ربط المسؤولية بالمحاسبة حيث انتقد بعض الناشطين عدم محاسبة المسؤولين عن الاهمال في الكوارث السابقة كما حدث في فالنسيا في اسبانيا حيث استقال المسؤولون بعد فيضانات مشابهة. وفي النهاية فان هذه الكارثة تذكير بان الطبيعة لا ترحم والانسان يجب ان يتعلم من اخطائه ليحمي نفسه ومجتمعه.
خاتمةفي الختام تعد فيضانات اسفي ماساة انسانية تهز الضمير الوطني والدولي. فقد خسر المغرب ارواحا بريئة وممتلكات قيمة بسبب قوة الطبيعة وهشاشة الاستعدادات. ومع ذلك فان التضامن الذي ظهر بين السكان والسلطات يبشر بامكانية التعافي السريع. ونسأل الله الرحمة للضحايا والشفاء للجرحى والصبر لذويهم. انا لله وانا اليه راجعون. ويبقى الامل في ان تكون هذه الكارثة دافعا لتغيير جذري في السياسات البيئية والعمرانية لضمان سلامة الاجيال القادمة. فالمغرب بلد قوي يمكنه ان يتجاوز مثل هذه التحديات اذا ما عمل بجد وتعاون. ومع تزايد التغيرات المناخية يصبح الاستعداد للكوارث امر حتمي ليس خيارا. وفي هذا السياق يجب على الحكومة والمجتمع المدني العمل معا لبناء مجتمع اكثر مرونة امام التحديات الطبيعية. وبهذا يمكن تحويل الالم الى قوة والكارثة الى فرصة للتحسين.
تعليقات