من المداهمة الفاشلة إلى الحريق المروع: قصة حصار ماونت كارمل كاملة
مقدمة
في التاسع والعشرين من شهر فبراير عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين ميلادية شهدت ضواحي مدينة واكو في ولاية تكساس الأمريكية أحد أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة الحديث. كان ذلك الحدث حصار مجمع ماونت كارمل الذي يقطنه أتباع طائفة برانش دافيديان الدينية بقيادة الرجل الذي عرف نفسه باسم ديفيد كوريش. بدأت القصة بمداهمة فاشلة نفذها مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية وتحولت إلى حصار استمر واحدًا وخمسين يومًا انتهى بحريق هائل أتى على المجمع وأودى بحياة ستة وسبعين شخصًا من بينهم خمسة وعشرون طفلًا. تروي هذه السردية التفصيلية كل مراحل الحدث منذ بدايات الطائفة وحتى التحقيقات اللاحقة مع التركيز على الشخصيات والأحداث والتفاصيل الدقيقة التي شكلت هذه المأساة.العرضنشأة الطائفة وصعود ديفيد كوريشتعود جذور طائفة برانش دافيديان إلى ثلاثينيات القرن العشرين عندما انشق فيكتور هوتيف عن كنيسة السبتيين الأدفنتست وأسس جماعة تؤمن بتفسير حرفي لسفر الرؤيا في الكتاب المقدس. استقرت الجماعة في مزرعة واسعة قرب واكو أطلقوا عليها اسم ماونت كارمل تيمنًا بالجبل المقدس في الكتاب المقدس. كان أتباع الطائفة يرون أنفسهم شعب الله المختار الذي سيواجه معركة هرمجدون النهائية ضد قوى الشر المتمثلة في حكومة الولايات المتحدة التي أطلقوا عليها اسم بابل الكبرى.ولد فيرس واين هاول في السابع عشر من أغسطس عام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين في هيوستن. ترعرع في أسرة مفككة حيث تركته أمه وهو في الرابعة من عمره وتزوجت من رجل مدمن على الكحول. عانى من صعوبات التعلم وترك المدرسة في الصف التاسع. في سن الثانية والعشرين انضم إلى كنيسة السبتيين ثم انتقل إلى ماونت كارمل عام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين. أظهر موهبة موسيقية استثنائية فعزف الجيتار وكتب أغاني إنجيلية. سرعان ما جذب انتباه لويس رودن زعيم الطائفة آنذاك وزوجته.في عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين اندلع صراع على الزعامة بين كوريش وابن لويس رودن جورج. أدى الصراع إلى تبادل إطلاق نار أسفر عن مقتل أربعة أشخاص في حادثة منفصلة. حكم على كوريش بالسجن لكنه برئ لاحقًا. استغل غياب منافسيه وأعلن نفسه الزعيم الجديد وغير اسمه إلى ديفيد كوريش مستلهمًا اسم الملك داود وكورش الفارسي. ادعى أنه الخاتم السابع في سفر الرؤيا وأنه يملك سلطة تفسير النبوءات.حياة المجمع تحت حكم كوريشتحول ماونت كارمل إلى مجتمع منعزل يضم مائة وثلاثين شخصًا. بنى كوريش نظامًا هرميًا صارمًا يقوم على طاعته المطلقة. فرض تدريبات عسكرية يومية شملت الرماية والقتال اليدوي. جمع ترسانة ضخمة من الأسلحة شملت مائتي بندقية شبه آلية وملايين الطلقات وقنابل يدوية. قام بتحويل بنادق إيه آر خمسة عشر إلى آلية كاملة وباعها في معارض الأسلحة لتمويل الطائفة. أنشأ ورشة لتصنيع قطع الغيار ومخزنًا للذخيرة داخل المجمع.في المجال الاجتماعي ألغى كوريش الزواج التقليدي وأعلن أن جميع النساء زوجات له. تزوج رسميًا من راشيل جونز التي كانت في الرابعة عشرة من عمرها عندما بدأ علاقته بها. أنجب منها ثلاثة أطفال. كما تزوج من عشرات النساء الأخريات بينهن قاصرات في الثانية عشرة والثالثة عشرة. أنجب خمسة عشر طفلًا على الأقل. فرض نظامًا غذائيًا نباتيًا صارمًا وحظر التلفزيون والموسيقى العلمانية. كان يعظ لساعات طويلة يوميًا يفسر فيها الأخبار العالمية كنذر لنهاية العالم.بداية التحقيقات والمداهمةفي يونيو عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين تلقى مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية شكوى من شركة يو بي إس للشحن تفيد باستلام الطائفة شحنة تحتوي على مائتي قنبلة يدوية فارغة ومواد متفجرة. بدأ التحقيق السري بإرسال عميل متخفي يدعى روبرت رودريغيز إلى المجمع. قضى رودريغيز أشهرًا يتظاهر بالانضمام وجمع أدلة على حيازة أسلحة غير قانونية واعتداءات جنسية على قاصرات.في السابع والعشرين من فبراير عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين نشرت صحيفة واكو تريبيون هيرالد مقالًا بعنوان الطائفة المسلحة في واكو تستعد للحرب. علم كوريش بالمداهمة المرتقبة من خلال جاره الذي سمع الخبر من الصحفي. في صباح الثامن والعشرين من فبراير وصلت قافلة من ستة وسبعين عميلًا مدعومة بثلاث مروحيات وثماني مركبات مدرعة. كان الهدف القبض على كوريش ومصادرة الأسلحة.عندما اقتربت القوات من الباب الرئيسي فتح كوريش الباب وصرخ من يطلق النار. اندلع إطلاق نار كثيف من النوافذ العلوية. قتل العميل كيني كينغ برصاصة في الرقبة وهو يحاول الصعود بسلم. استمر الاشتباك خمسًا وأربعين دقيقة. قتل أربعة عملاء وأصيب ستة عشر. من جانب الطائفة قتل خمسة رجال وأصيب كوريش برصاصتين في ساقه وبطنه. توقف إطلاق النار بعد أن طلب كوريش وقفًا لإطلاق النار عبر الهاتف.الحصار والمفاوضاتفي اليوم التالي فرض مكتب التحقيقات الفيدرالي حصارًا شاملًا. أحاط المجمع بتسعمائة عنصر من الشرطة والجيش وقناصة على الأسطح. قطعت الكهرباء والماء والهاتف. أنشأت مركز قيادة ميداني في مدرسة مهجورة. بدأت المفاوضات عبر الهاتف مع كوريش الذي كان يتحدث لساعات عن تفسيراته للكتاب المقدس. سمح بخروج أحد عشر طفلًا في الأيام الأولى ثم توقف.في الثالث من مارس سمح كوريش ببث تسجيل صوتي له على محطة إذاعية مقابل إمداد المجمع بالحليب. خرج عشرة أطفال آخرون. لكن كوريش رفض الاستسلام وقال إنه ينتظر إشارة من الله. داخل المجمع نفد الطعام تدريجيًا وانتشرت الأمراض بين الأطفال. توفي طفلان بسبب الجفاف والالتهاب الرئوي. سجلت أجهزة التنصت أصوات بكاء الأطفال وصرخات النساء.استخدم مكتب التحقيقات الفيدرالي أساليب ضغط نفسي مكثفة. في الثاني عشر من مارس بدأ تشغيل موسيقى صاخبة طوال الليل شملت أغاني تينا تيرنر ونانسي سيناترا وأصوات ذبح حيوانات. في الخامس عشر من مارس أرسلت رسائل صوتية للأطفال تحثهم على الخروج. في التاسع عشر من مارس أطلقت قنابل صوتية قرب المبنى. رد كوريش بإطلاق نار متقطع وكتابة لافتات على النوافذ تقول نحن شعب الله.اليوم الأخير والحريقفي الثامن عشر من أبريل رفض كوريش عرضًا نهائيًا للاستسلام. في التاسع عشر من أبريل الساعة الخامسة والخمسين دقيقة صباحًا بدأت دبابات برادلي باختراق جدران المبنى. أطلقت أربعمائة عبوة غاز سي إس من خلال ثمان وأربعين فتحة. استمر ضخ الغاز ست ساعات. رد أتباع كوريش بإطلاق نار كثيف على الدبابات. في الحادية عشرة والنصف ظهرًا ظهر دخان من ثلاث نقاط في المبنى.سجلت أجهزة التنصت أصوات أعضاء الطائفة وهم يقولون انشروا الوقود هنا واشعلوا النار هناك. انتشر الحريق بسرعة بسبب الرياح التي بلغت سرعتها خمسة وثلاثين ميلًا في الساعة. انفجر المبنى ثلاث عشرة مرة بسبب براميل الوقود وقنابل اليد. حاول تسعة أشخاص الهرب لكنهم عادوا بسبب النيران. استمر الحريق ست ساعات ووصلت درجة الحرارة إلى ثلاثة آلاف درجة مئوية.عثر على جثة كوريش في غرفة الاتصالات في الطابق العلوي مصابة بطلقة في الجبهة وأخرى في الفم. عثر على جثث خمسة وعشرين طفلًا في خزانة ملابس داخلية. عثر على جثث نساء في قبو محترق. نجا تسعة أشخاص فقط خرجوا قبل الحريق. أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي أن الطائفة أشعلت الحريق عمدًا بناء على التسجيلات الصوتية.
التحقيقات والمحاكماتأجرت الحكومة تحقيقات متعددة استمرت سنوات. في أغسطس عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين قدم تقرير وزارة العدل يبرئ مكتب التحقيقات الفيدرالي من إشعال الحريق. في أكتوبر عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين عقد الكونغرس جلسات استماع استمرت عشرة أيام. خلص التقرير إلى أن الطائفة مسؤولة عن الحريق لكن انتقد استخدام الغاز والدبابات.في فبراير عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين بدأت محاكمة أحد عشر ناجيًا. أدين ثمانية بتهم حيازة أسلحة غير قانونية وحكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين ثلاث سنوات وأربعين سنة. برئ الجميع من تهمة التآمر على قتل العملاء. في عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين أمر قاض فيدرالي بدفع تعويضات لأسر الضحايا لكن المحكمة العليا ألغت الحكم عام ألفين.خاتمةشكل حصار واكو الذي دام 51 يوما نقطة تحول في تاريخ التعامل مع الجماعات الدينية المتطرفة في الولايات المتحدة. كشف الحدث عن أخطاء فادحة في التخطيط والتنفيذ من جانب السلطات الفيدرالية كما كشف عن مخاطر القيادات الكاريزمية التي تستغل النصوص الدينية للسيطرة على أتباعها. لا يزال موقع ماونت كارمل يحمل آثار تلك الأيام المأساوية حيث تحولت نبوءة دينية إلى كارثة إنسانية أودت بحياة الأبرياء وتركت جرحًا عميقًا في الضمير الأمريكي وأسئلة لا تزال بلا إجابة نهائية حول من يتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النهاية المروعة التي غيرت إلى الأبد قواعد التعامل مع الأزمات المماثلة.
التحقيقات والمحاكماتأجرت الحكومة تحقيقات متعددة استمرت سنوات. في أغسطس عام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين قدم تقرير وزارة العدل يبرئ مكتب التحقيقات الفيدرالي من إشعال الحريق. في أكتوبر عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين عقد الكونغرس جلسات استماع استمرت عشرة أيام. خلص التقرير إلى أن الطائفة مسؤولة عن الحريق لكن انتقد استخدام الغاز والدبابات.في فبراير عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين بدأت محاكمة أحد عشر ناجيًا. أدين ثمانية بتهم حيازة أسلحة غير قانونية وحكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين ثلاث سنوات وأربعين سنة. برئ الجميع من تهمة التآمر على قتل العملاء. في عام ألف وتسعمائة وتسعة وتسعين أمر قاض فيدرالي بدفع تعويضات لأسر الضحايا لكن المحكمة العليا ألغت الحكم عام ألفين.خاتمةشكل حصار واكو الذي دام 51 يوما نقطة تحول في تاريخ التعامل مع الجماعات الدينية المتطرفة في الولايات المتحدة. كشف الحدث عن أخطاء فادحة في التخطيط والتنفيذ من جانب السلطات الفيدرالية كما كشف عن مخاطر القيادات الكاريزمية التي تستغل النصوص الدينية للسيطرة على أتباعها. لا يزال موقع ماونت كارمل يحمل آثار تلك الأيام المأساوية حيث تحولت نبوءة دينية إلى كارثة إنسانية أودت بحياة الأبرياء وتركت جرحًا عميقًا في الضمير الأمريكي وأسئلة لا تزال بلا إجابة نهائية حول من يتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك النهاية المروعة التي غيرت إلى الأبد قواعد التعامل مع الأزمات المماثلة.