سواق الهانم: جريمة حب كلفت الجميع حياتهم

من كاميرات الجراج إلى حكم الرحمة.. قصة أمير الذي قتل زوج أمه


القصة كاملة 

في احياء القاهرة الراقية حيث يلمع النيل تحت انوار الزمالك عاش شاب يدعى امير الوريث الوحيد لامبراطورية تجارية اسسها والده الراحل السيد فؤاد بيه ذلك الرجل الذي بنى ثروة هائلة من تجارة الاستيراد والتصدير تاركا وراءه فيلا فخمة واموالا تكفي لاجيال. كان امير في العشرينيات من عمره ابنا وحيدا مدللا في عاداته يقضي ايامه في النوادي الخاصة والسهرات الطويلة مطمئنا الى ان العالم يدور حوله وان والدته السيدة فاطمة الهانم ستظل حارسة امينة لتلك الثروة التي يرثها يوما. تلقى تعليما جامعيا خاصا وعاش في رفاهية نفسية ومادية يعتبر نموذجا للشاب الوسيم والمجذب بعيدا عن صورة السجين النمطي.
كانت الهانم في الاربعينيات انيقة كالوردة المتفتحة في ربيع متاخر تدير شؤون الفيلا بيد حازمة وابتسامة هادئة محاطة بخدم ومستشارين. لكن في قلب ذلك القصر كان هناك رجل واحد يعمل في الخفاء لا يلاحظ الا في حركة سيارته السوداء اللامعة: السائق مصطفى رجل في الخمسينيات هادئ الطباع يرتدي زيه الاسود النظيف دائما ويدير المركبة كانها امتداد لروحه. عمل مصطفى لدى العائلة منذ عقود قبل ولادة امير حتى يرافق السيد فؤاد في رحلاته التجارية وينقل الهانم الى مواعيدها الاجتماعية. كان مصطفى متزوجا سابقا فقد زوجته ولديه اطفال يدعون الى الفيلا ليعتبرا اعضاء في العائلة. بعد وفاة الاب اصبح مصطفى اقرب الى الهانم يتبادلان كلمات هادئة في السيارة ويضحكان احيانا على ذكريات الماضي الجميل لكنه كان يخفي حبه لها الذي بدا قبل وفاة الزوج.
لكن السر الذي كان يخفيه القدر لم يدم طويلا. في احدى الليالي بعد وفاة الاب بفترة قصيرة كان امير يراجع تسجيلات كاميرات الامان في الجراج فاذا به يرى مشهدا غريبا: السائق مصطفى يقبل والدته ويضمها الى صدره بعد ان اوصلها الى المصعد في القبو. انفجر العالم في وجه امير. شعر بالخيانة كالسكين في صدره. واجه والدته فورا صاح: "ايه اللي بتعمليه يا ماما؟ ابويا لسه ماتش!" فردت بغرور: "انا كنت بحبه قبل موت ابوك وهتزوجه على رغبتي." لم تكتف الهانم بالاعتراف بل تزوجت مصطفى في عرس سري وادخلته الى الفيلا كسيد والامر الناهي محرمة امير من ميراثه ومغيرة نمط حياته الى غربة داخلية في منزله الخاص. اصبح مصطفى يسيطر على الفيلا والسيارات والاموال ويعامل اطفاله كابناء له بينما يشعر امير بسرقة حياته كلها.

بعد زواجهما تعمق الغضب في نفس امير حتى جاءت الليلة المشؤومة. كان امير ينام في المطبخ بعد اكل وجبة خفيفة متعبا من يوم طويل. دخل مصطفى الحين زوج الهانم واستفزه بالكوعة في جنبه قائلا بسخرة: "ايه اللي بتعمله هنا؟" استيقظ امير فجاة كانه مصاب بجنون ومسك سكينا كان يشير به الى برتقالة فطعن مصطفى حتى الموت في انفجار غضب مكبت ناتج عن ضغط نفسي هائل. نقلت الجثة الى المستشفى والقي القبض على امير فورا.احيلت القضية الى المحكمة الجنائية بتهمة القتل العمد وكانت التحقيقات ناقصة ومضللة ما كان ليؤدي الى عقوبة قاسية لو اعتمدت عليها. بقي امير صامتا في البداية متوترا ومنهارا نفسيا لكن القاضي – وهو من كبار القضاة المعروفين بالحكمة والشفافية – اجل الجلسة الاولى بعد رؤية الوثائق واستدعى امير الى غرفة التشاور اكثر من مرة ليوضح تفاصيل الاتهام. كان القاضي يعامله بشفقة وتسامح قائلا له في احدى الجلسات: "فكر فيني كاب ليس كمحكمة تحدث بحرية." بكى امير هناك وروى القصة بتفصيل معترفا بالفعل ومعبرا عن ندمه العميق مشيرا الى الضغط النفسي الذي دفعه الى هذا الانفجار.
تولى الدفاع المحامي محمد صادق الذي ركز حججه على الظروف النفسية المحيطة: امير عانى من ضغط نفسي هائل بسبب سرقة ميراثه تغيير نمط حياته وشعوره بالغربة في منزله. اكد ان الفعل كان انفجارا مكبتا غير متعمد ولو لم يبرر الجريمة الا انه يخفف من عقوبتها. استند الى المادة 17 والمادة 55 من قانون العقوبات التي تسمح بتخفيض العقوبة اذا رات المحكمة عدم امكانية اعادة الجريمة مع النظر في الظروف المحيطة مؤكدا ان اميرا ليس مجرما محترفا بل ضحية لظرف انساني.قبل الحكم استدعى القاضي الهانم للاستجواب ووجه لها انتقادات لاذعة وحادة: "ماذا لو لم يسمح القانون بذلك؟ اذا لم يسمح القانون ليس هناك نص يقول ذلك. انت المتهمة بدلا من ابنك وكنا لنفعل ذلك ونفرض اقصى عقوبة عليك." وصف تصرفها بانه تجاوز على القيم رغم ان الزواج مبيح شرعا واعتبرها "الفاعل المعنوي الرئيسي" مسؤولة اخلاقيا عن الجريمة. طلب منها "العودة الى رشدها" لاعادة الحياة الى طبيعتها معبرا عن امله في ان تعود الى عقلانيتها وتعيد الامر الى نظامه.
اما الحكم النهائي فكان مخففا بشكل ملحوظ: سنة حبس مع ايقاف التنفيذ (مؤجل) بناء على المادتين 17 و55 من قانون العقوبات مع المراعاة لعدم احتمال اعادة الجريمة والظروف النفسية. اعتبر القاضي الفعل جريمة عقابية لكن الظروف المحيطة ادت الى انفجار مكبت ووصف المحامي الحكم بانه "تاج على راسه" لكونه من الين الاحكام. خرج امير من السجن رجلا منهارا يحمل ندم ابدي والهانم التي فقدت زوجها الجديد غادرت الفيلا الى مكان غير معلوم تاركة وراءها قصة تحذيرية عن كيفية تدمير الحب المنحرف للعائلة كلها.ومن يومها يقال ان السيارة السوداء لا تزال واقفة في الكراج تنتظر سائقا جديدا لكن لا احد جرأ على قيادتها خوفا من ان تحمل اسرارا اخرى على كورنيش النيل وتعيد ذكرى الالم الذي كلف الجميع حياتهم.
تعليقات