لغز ممر دياتلوف: تسعة أرواح في ليلة الثلج الأبدية

الفرار الحافي: ما الذي دفع المتسلقين لقطع خيمتهم ومواجهة الموت متجمدين؟


مقدمةفي أعماق جبال الأورال الشمالية، حيث يغطي الثلج الأرض ككفنٍ أبيض لا ينتهي، وتُعوي الرياح كأرواحٍ تائهة، كانت تسعة شبابٍ في ريعان العمر يخططون لمغامرةٍ تُتوّج سنواتٍ من التدريب والحماس. كانوا طلابًا في جامعة أورال التقنية بمدينة سفيردلوفسك (إيكاترينبورغ حاليًا)، سبعة فتيانٍ وفتاتين، يقودهم الشاب الطموح إيغور ألكسييفيتش دياتلوف، البالغ من العمر ثلاثةً وعشرين عامًا. كانوا جميعًا متسلقين ماهرين، يمتلكون خبرةً واسعةً في الرحلات الشتوية، وكان هدفهم هذه المرة اجتياز مسارٍ طوله ثلاثمائة كيلومتر بالتزلج عبر الجبال المتجمدة، للوصول إلى قمة جبل أوتورتن، ومن ثم الحصول على الدرجة الثالثة – الأعلى – في رياضة التسلق الشتوي السوفييتي. انطلقوا في الثالث والعشرين من يناير عام 1959، حاملين معداتهم، وكاميراتهم، ودفاتر يومياتهم، وأحلامهم، دون أن يدركوا أن هذه الرحلة ستُسجّل في سجلات التاريخ كواحدةٍ من أكثر الحوادث غموضًا وإرباكًا في القرن العشرين: حادثة ممر دياتلوف.العرضكان أعضاء المجموعة التسعة هم:
  • إيغور دياتلوف (23 عامًا)، القائد الحكيم والمنظم.
  • زينايدا كولموغوروفا (22 عامًا)، الفتاة القوية ذات الإرادة الحديدية.
  • لودميلا دوبينينا (20 عامًا)، الشغوفة بالتصوير والطبيعة.
  • ألكسندر كوليفاتوف (24 عامًا)، المهندس الهادئ.
  • يوري دوروشينكو (21 عامًا)، المرح والموسيقي.
  • يوري كريفونيشينكو (23 عامًا)، المعروف بـ"جورج"، الظريف دائمًا.
  • نيكولاي ثيبو-برينيول (23 عامًا)، الجاد والمثابر.
  • رستيم سلوبودين (23 عامًا)، ابن ضابط عسكري، منضبط.
  • سيميون زولوتاريوف (38 عامًا)، الأكبر سنًا، مدرب رياضي محترف، انضم متأخرًا.
بدأت الرحلة بسلاسة. سجّلوا تقدمًا يوميًا في دفتر اليوميات الجماعي، صوّروا صورًا مرحة، كتبوا رسائل بريدية إلى عائلاتهم، وأرسلوا آخر بطاقة بريدية في 31 يناير تؤكد أنهم على ما يرام. لكن في الأول من فبراير، وبينما كانوا يحاولون عبور ممرٍ جبلي، ضربت عاصفةٌ ثلجيةٌ عنيفة. انخفضت الرؤية إلى الصفر، وانخفضت درجة الحرارة إلى ما بين 25 و30 درجة تحت الصفر، مع رياحٍ تصل سرعتها إلى 100 كيلومتر في الساعة. فقدوا الاتجاه، ولم يتمكنوا من الوصول إلى الغابة الآمنة على بعد 1.5 كيلومتر فقط. قرر دياتلوف نصب الخيمة على المنحدر المكشوف لجبل "خولات سياخل" – وهو اسمٌ من لغة شعب المانسي المحلي يعني "جبل الموت" – لتوفير الوقت والطاقة، على الرغم من أن هذا القرار خالف قواعد السلامة الأساسية.

في تلك الليلة، حدث شيءٌ جعل التسعة يقطعون خيمتهم من الداخل بسكاكينهم، ويخرجون حفاةً أو بجوارب، دون معاطف أو أحذية، في عاصفةٍ قاتلة. لم يأخذوا مصابيحهم، ولا طعامهم، ولا أي شيءٍ يدل على التفكير المنطقي.مرت 25 يومًا دون أي أثر. بدأت العائلات بالقلق، ثم أُرسلت فرق الإنقاذ. في 26 فبراير، وصل المنقذون إلى الموقع، فوجدوا الخيمة نصف مدفونة تحت الثلج، ممزقة من الداخل بتسعة قطعٍ منتظمة، وكل متعلقاتهم في مكانها: الطعام المعد، الأحذية المرتبة، الملابس الدافئة، الكاميرات، الدفاتر. لم تكن هناك أي آثار أقدامٍ تدخل الخيمة، فقط آثارٌ تخرج منها – ثمانية أو تسعة أشخاص – تتجه نحو الغابة، بعضها بأقدامٍ حافية، وبعضها بجوارب، وبعضها بحذاءٍ واحد.في أسفل المنحدر، على بعد كيلومترٍ واحد، تحت شجرة صنوبر كبيرة، وُجدت بقايا نارٍ صغيرة خمدت منذ زمن. بجانبها، جثتا يوري دوروشينكو ويوري كريفونيشينكو، نصف عاريتين، متجمدتين تمامًا. كانا قد خلعا ملابسهما في حالةٍ تُعرف بـ"التعري المتناقض" – ظاهرة تحدث في حالات انخفاض الحرارة الشديد – وحاولا إشعال النار بأغصانٍ مكسورة من الشجرة، مما أدى إلى جروحٍ طفيفة في أيديهما.على الطريق العائد إلى الخيمة، وُجدت ثلاث جثث أخرى:
  • إيغور دياتلوف، متجمدًا وهو ينظر نحو الخيمة، كأنه يحاول العودة.
  • زينايدا كولموغوروفا، على بعد 300 متر من دياتلوف، متجمدة وهي تحاول الزحف.
  • رستيم سلوبودين، بينهما، مع كسرٍ طفيف في الجمجمة، لكنه لم يكن قاتلاً.
لم يُعثر على الأربعة الباقين إلا في الرابع من مايو، بعد ذوبان الثلج، في وادٍ صغير على بعد 75 مترًا من شجرة الصنوبر، تحت أربعة أمتارٍ من الثلج، في مجرى مائي صغير. كانوا قد بنوا عشًا بدائيًا من أغصانٍ وملابس، كأنهم حاولوا الاحتماء. لكن إصاباتهم كانت مروعة:
  • لودميلا دوبينينا: فقدت لسانها، عينيها، جزءًا من شفتيها، وعظم الوجنتين – كأن شيئًا قد انتزعها بعنف.
  • نيكولاي ثيبو-برينيول: كسرٌ في الجمجمة بقوةٍ هائلة.
  • سيميون زولوتاريوف: كسورٌ في خمسة أضلاع من الجهتين، كأن صدره قد دُهس بقوةٍ تعادل حادث سيارة بسرعة 100 كم/ساعة.
  • ألكسندر كوليفاتوف: إصابات أقل، لكنه مات متجمدًا.
كل هذه الإصابات الداخلية الشديدة حدثت دون أي جروح خارجية واضحة. بعض الجثث كانت بلونٍ برتقاليٍ غامض، وملابس بعضهم – خاصة زولوتاريوف – تحمل إشعاعًا بيتا خفيفًا. وفي الكاميرا الأخيرة التي التقطها أحدهم، ظهرت صورٌ غريبة: كراتٌ ضوئيةٌ برتقالية تطفو في السماء الليلية.الخاتمةفي مايو 1959، أغلقت السلطات السوفييتية التحقيق رسميًا، معلنةً أن التسعة ماتوا بسبب "قوةٍ طبيعيةٍ مجهولةٍ مقنعة" – عبارةٌ غامضة لم تُفسر أبدًا. أُخفيت الملفات لعقود، وأُغلقت المنطقة لثلاث سنوات. لم يُسمح للعائلات برؤية الجثث إلا بعد تغطية الوجوه، ودُفن خمسةٌ منهم في توابيت مغلقة.على مدى ستة عقود، ظهرت عشرات النظريات: انهيار جليدي، تجارب عسكرية سرية، موجات صوتية تُسبب الهلع، هجوم من شعب المانسي، أو حتى كائنات فضائية. لكن لا شيء يفسر كل التفاصيل: لماذا قطعوا خيمتهم من الداخل؟ لماذا هربوا حفاة؟ من أين جاءت الإصابات الداخلية الهائلة؟ ولماذا الإشعاع والكرات الضوئية؟حتى اليوم، في عام 2025، لا يزال لغز ممر دياتلوف يطارد الباحثين والمغامرين. تسعة شبابٍ في قمة قوتهم وبحوزتهم كل ما يلزم للبقاء، اختفوا في ليلةٍ واحدة، تاركين وراءهم صمتًا ثلجيًا لا ينتهي، وسؤالًا واحدًا يتردد في جبال الأورال: ما الذي أرعبهم إلى هذا الحد؟
تعليقات