فضائح تهز أركان المجتمع المغربي: بين الإخفاقات الطبية والانتهاكات الحقوقية والفساد الإداري
الرباط - 1 نوفمبر 2025في أعقاب أيام مليئة بالتوتر والغضب، يواجه المغرب موجة من الفضائح التي تكشف عن هشاشة النسيج المؤسسي وتآكل الثقة بين الشعب والدولة. منذ مطلع أكتوبر، شهدت البلاد احتجاجات شبابية واسعة النطاق تحت شعار "حراك جيل زد 212"، مطالبة بإصلاحات جذرية في مجالات الصحة والتعليم والفساد، لكن الرد الرسمي جاء بالقمع والاعتقالات، مما أثار جدلاً دولياً. وفي الوقت نفسه، برزت فضائح أخرى في القطاعات الإدارية والرياضية، تُظهر كيف أن الفساد المنتشر يُهدد التنمية الشاملة. هذا التقرير يستعرض تفاصيل هذه الأحداث، مستنداً إلى مصادر رسمية وتقارير حقوقية، ليُسلط الضوء على التحديات التي تواجه المملكة في سبيل بناء دولة عادلة وشفافة.فضيحة المركز الاستشفائي ابن رشد: أخطاء طبية قاتلة وشبهات شعوذةيُعد المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، أحد أعمدة الرعاية الصحية العمومية في المغرب، نموذجاً للإخفاق المؤسسي الذي يُكلف الأرواح. في بيان استنكاري أصدرته النقابة العامة للاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل يوم الأول من نوفمبر 2025، وُصِفت الإدارة بأنها مسؤولة عن "اختلالات خطيرة" تشمل أخطاء طبية قاتلة في أقسام الولادة، طب الأسنان، الإنعاش، والتخدير. ولم يقتصر الأمر على الإهمال اليومي، بل امتد إلى وقائع أكثر إثارة للاشمئزاز، حيث كشف الدكتور أحمد الجرمومي، طبيب مقيم في قسم جراحة الأطفال، عن ممارسات "مشبوهة" تتعلق بسوء استعمال عينات دماء الأطفال المصابين بالإدمان، واستغلالها في "أعمال شعوذة". كما أفاد بأن "ضمادات طبية ملوثة تُخرج من غرف الجراحة" وتُباع أو تُستخدم في أغراض غير مشروعة، مما أثار موجة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي.تعود جذور هذه الفضيحة إلى أغسطس 2025، حين أدى خطأ طبي إلى إصابة 16 شخصاً بالعمى، وهو الحادث الذي ما زال تحقيقه معلقاً دون محاسبة واضحة. وفي رد فعل سريع، شكلت لجنة تحقيق داخلية مكونة من أطباء وأساتذة، إلا أن النقابيين يرون في ذلك "محاولة للتغطية على فساد متغلغل"، خاصة بعد تعرض الدكتور الجرمومي للتهديدات. اليوم، يطالب الرأي العام بإصلاحات جذرية، بما في ذلك تعزيز الرقابة الخارجية وتفعيل قوانين مكافحة الفساد في القطاع الصحي. وفي سياق أوسع، يُشير هذا الحدث إلى أزمة هيكلية في الرعاية الصحية، حيث يعاني أكثر من 70% من المستشفيات العمومية من نقص في المعدات والكوادر، وفقاً لتقرير وزارة الصحة لعام 2024. هذه الفضيحة ليست مجرد خطأ فردي، بل انعكاس لفشل نظامي يُهدد حياة المواطنين اليوميين، ويُعمق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.انتهاكات حقوق الإنسان في احتجاجات "حراك جيل زد 212": قمع منهجي ومحاكمات سياسيةفي الجبهة الحقوقية، ألقت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) قنبلة بتقريرها الأولي الصادر في 25 أكتوبر 2025، الذي يوثق "انتهاكات جسيمة" ارتكبتها السلطات الأمنية ضد محتجي حركة "جيل زد 212"، التي انطلقت في 27 سبتمبر 2025 للمطالبة بإصلاحات اقتصادية وسياسية. وفقاً للتقرير، تم توقيف نحو 2100 شخص في مدن مغربية مختلفة، بينهم أكثر من 330 قاصراً، مع صدور 240 حكماً بالسجن النافذ يصل بعضها إلى 15 عاماً. وثّقت الجمعية حالات تعذيب، اعتقالات تعسفية، ومحاكمات "سياسية" شابتها انتهاكات إجرائية، مثل غياب الدفاع الفعال والاعتماد على "بلاغات رسمية" للتغطية على الحقائق. كما سجّل التقرير وفيات وإصابات خطيرة أثناء التدخلات الأمنية، مشدداً على أن "الحقيقة لا يمكن إخفاؤها".حقوقيون مثل حكيم سيكوك، رئيس فرع AMDH بالرباط، يصفون هذه الممارسات بـ"القمع المنهجي"، مطالبين بإطلاق سراح المعتقلين وتحقيقات مستقلة. وفي سياق دولي، حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش من "القمع والعنف" الذي يواجه الاحتجاجات، معتبرة إياها جزءاً من نمط أوسع يهدد الحريات في المغرب. التقرير أثار نقاشات حادة على وسائل التواصل، حيث يرى الشباب فيه دليلاً على "فساد النظام"، بينما تطالب الحكومة بـ"حماية النظام العام". ومع ذلك، يُشير التقرير إلى أن هذه الانتهاكات ليست جديدة؛ ففي أكتوبر 2025، أكدت النيابة العامة ضبط 5780 معتقلاً من الاحتجاجات، مع إفراج عن 3300 فقط، مما يعكس سياسة اعتقال واسعة النطاق. هذه الحركة الشبابية، التي تجمع بين الغضب من البطالة (التي بلغت 13% بين الشباب في 2025) والفساد، تمثل صرخة جيل يرفض الاستمرار في دائرة الفقر واللامساواة.فضيحة ملاعب القرب في عين الشق: إهمال إداري وإسراف في الأموال العامةلم تقتصر الفضائح على القطاعين الصحي والحقوقي، بل امتدت إلى الإدارة المحلية مع انفجار فضيحة ملاعب القرب في مقاطعة عين الشق بالدار البيضاء. في تصريح صادم أدلى به نائب رئيس المقاطعة يوم 31 أكتوبر 2025، كشف عن "تجاوزات فادحة" في إدارة هذه الملاعب، التي كُلِّفَ بناؤها ملايين الدراهم من الميزانية العامة. وفقاً للتصريح، أُهْمِلَت الصيانة رغم تخصيص أموال طائلة، مما أدى إلى تدهور المنشآت وتحويلها إلى "مخيمات للجرذان والقمامة"، كما وصفها النائب. هذه الفضيحة، التي أثارت غضب السكان المحليين، تُبرز كيف يُسرَقُ المال العام تحت غطاء المشاريع التنموية، وتُعيق الوصول إلى الرياضة كحق أساسي للشباب.الأطراف المعنية تشمل الإدارة المحلية والجهات المسؤولة عن التمويل، حيث يُطالب النائب بتحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين. وفي رد فعل شعبي، أطلق مواطنون حملة على وسائل التواصل تحت هاشتاغ #فضيحة_ملاعب_عين_الشق، مطالبين بإعادة تأهيل المنشآت وتعزيز الشفافية في إنفاق الأموال. هذا الحدث ليس معزولاً؛ ففي سياق أوسع، يُشير تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة إلى أن 40% من المشاريع المحلية تعاني من تأخير أو إهمال بسبب الفساد، مما يُكْلِفُ الدولة مليارات الدراهم سنوياً.حملات مكافحة الفساد: بين الإجراءات الرسمية والشكوك الشعبيةفي محاولة لاستعادة الثقة، أعلن رئيس النيابة العامة هشام البلاوي يوم 23 أكتوبر 2025 عن ضبط 407 أشخاص ضمن جهود مكافحة الرشوة والفساد، بما في ذلك مسؤولين في القطاعات الإدارية والمالية. ومع ذلك، يرى النشطاء أن هذه الإجراءات "كوميدية"، إذ تُرَكُزُ على الصغار بينما يُغْلَقُ الباب أمام التحقيق في الفساد الكبير. على سبيل المثال، في 8 أكتوبر 2025، أطلقت وزارة الداخلية تحقيقاً في اتهامات رشوة تتعلق بمشروع طريق بقيمة ملايين الدراهم، حيث طُلِبَتْ رشاوى من مستثمرين مقابل التراخيص. كما أبرمَتْ الهيئة الوطنية للنزاهة اتفاقية مع الجهاز الخاص بالمعلومات لمشاركة البيانات في مكافحة الفساد، لكن الشكوك تظل قائمة حول فعاليتها.في مقاطعة أخرى، أثارت فضيحة فساد في أكتوبر 2025 غضباً واسعاً، حيث أُطلِقَ تحقيق رفيع المستوى في تورط مسؤولين محليين في صفقات مشبوهة. وفقاً لتقارير، اختفت 13 مليار درهم من مشاريع تنموية في السنوات الأخيرة، مما يُغْذِي الاحتجاجات الشبابية. هذه الحملات، رغم إيجابيتها الظاهرية، تُواجَهُ بجدل حول منع الأفراد والجمعيات من التبليغ عن الفساد، كما حدث في يونيو 2025، مما يُعَزِّزُ الشعور بالإحباط لدى الشعب.صفقات الصحة المشبوهة: تورط الوزير التهراويأما في القطاع الصحي، فقد أثارت صفقات تفاوضية خارج الإطار القانوني، أُبْرِمَتْ بأمر من الوزير أمين التهراوي، موجة من الاستنكار. في 19 أكتوبر 2025، كشفت تحقيقات إعلامية عن صفقات لشراء معدات طبية بأسعار مبالغ فيها، مما أدى إلى إهدار ملايين الدراهم. هذه الفضيحة، التي تُرْبَطُ بفساد متفشٍّ، تُعَزِّزُ مطالب الاحتجاجات بإقالة الحكومة وإصلاح جذري. وفي سياق تاريخي، يُشير تقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2025 إلى أن مثل هذه الممارسات تُهَدِّدُ الاستقرار الاجتماعي، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر إلى 15% في المناطق الريفية.خاتمة: نحو إصلاحات حقيقية أم استمرار في الظلام؟إن هذه الفضائح المتتالية ليست مجرد حوادث عابرة، بل تعكس أزمات هيكلية عميقة في المغرب: فساد إداري يُعيق التنمية، إخفاقات صحية تُكْلِفُ الأرواح، وقمع حقوقي يُخْنِقُ الصوت الشعبي. مع تزايد الضغط الدولي والمحلي، يبقى السؤال: هل ستستجيب السلطات بإصلاحات حقيقية، كتفعيل قوانين الشفافية وتعزيز الرقابة المستقلة، أم ستستمر في سياسات القمع؟ الشعب المغربي، خاصة جيل الشباب، لن يصمت؛ فهو يطالب بدولة تُحَقِّقُ العدالة الاجتماعية والاقتصادية. في النهاية، الثقة لا تُبْنَى بالوعود، بل بالأفعال الملموسة التي تُعِيدُ الأمل إلى القلوب.