آخر المنشورات

صرخة أطباء الهاروشي ضد رئيسة المصلحة : بين قسوة الإدارة ومعاناة المرضى

معاناة الأطباء المقيمين مع رئيسة المصلحة في مستشفى الهاروشي بالدار البيضاء


مقدمة

في مستشفى الهاروشي الجامعي للأطفال بالدار البيضاء، يلتقي الناس يوميًا مع الأمل والألم، حيث تحمل قاعات الاستقبال صرخات الأطفال، وتحمل الممرات أنفاس الأمهات المرهقات، وتحمل غرف العمليات وجوه الأطباء المنهكين من مواجهة الموت في كل لحظة. لكن خلف هذا المشهد الإنساني العميق، تتوارى صراعات أخرى أكثر تعقيدًا، لا ترتبط بالمرض أو الدواء بقدر ما ترتبط بالسلطة والمعاملة والإدارة، حيث تتحول العلاقة بين الطاقم الطبي ورؤسائه أحيانًا إلى معركة صامتة، قاسية، تشبه جرحًا إضافيًا داخل جسد المنظومة الصحية. في هذا السياق، برزت في الشهور الأخيرة قضية شغلت الرأي العام الطبي والحقوقي، حين كشف الطبيب المقيم الدكتور أحمد الجرمومي عن معاناة حقيقية يعيشها هو وزملاؤه تحت إشراف رئيسة المصلحة في قسم الجراحة الباطنية للأطفال بالمستشفى، واصفًا الأجواء بالخانقة والبيئة بالفساد الممنهج الذي يجعل من مهمة الطبيب أكثر صعوبة من مواجهة المرض ذاته، حتى وصل به الأمر إلى مناشدة الملك بشكل علني، وهو ما يعكس حجم الانسداد الذي يواجهه داخل المؤسسة نفسها.

عرض

إن الحديث عن معاملة رئيسة المصلحة كما وصفها الطبيب ليس مجرد تفصيل إداري أو خلاف شخصي يمكن تجاوزه، بل هو تعبير عن خلل هيكلي عميق، يظهر حين تتحول سلطة المسؤول الإداري إلى أداة ضغط أكثر منها وسيلة تنظيم ودعم. إذ لم تعد العلاقة بين الأطباء المقيمين ورئاسة المصلحة علاقة مهنية قوامها التوجيه والتكوين وتوزيع المهام، بل صارت علاقة يغلب عليها الخوف والضغط النفسي، وأحيانًا الإحساس بالإهانة، وكأن الطبيب الشاب يُجبر على الخضوع لشروط غير مكتوبة مقابل السماح له بالعمل أو التكوين. هذه المعاملة، بحسب شهادات من داخل المستشفى، لم تقتصر على التشدد في الانضباط أو الصرامة المهنية، بل تعدت ذلك إلى فرض أسلوب قاسٍ في التعامل اليومي، يتجاهل الجهد المضني الذي يبذله الطبيب في مواجهة الحالات المستعصية، ويتعامل معه كموظف صغير لا كعنصر أساسي في إنقاذ الأرواح.

واللافت في هذه القضية أن المستشفى الجامعي الهاروشي ليس مؤسسة هامشية، بل هو واحد من أهم المستشفيات المرجعية للأطفال في المغرب، يقصده المرضى من مختلف المدن والمناطق النائية، ويعتبر نموذجًا مصغرًا عن واقع الصحة العمومية، حيث تتقاطع مشاكل البنية التحتية مع نقص الموارد البشرية وضعف التجهيزات. وحين يضاف إلى كل ذلك سوء المعاملة من طرف الإدارة، فإن المعادلة تصبح قاتلة، إذ يجد الطبيب نفسه محاصرًا بين ضعف الإمكانات الطبية وبين ضغط المسؤول المباشر، ليصبح الطبيب هو الضحية الأولى قبل المريض. ومما يزيد الوضع خطورة أن هذه البيئة تولد شعورًا عميقًا بالغبن وفقدان الكرامة، وهو ما يفسر إقدام بعض الأطباء على رفع أصواتهم علنًا، رغم علمهم بأن ذلك قد يكلفهم مستقبلهم المهني داخل المؤسسة.

من زاوية إنسانية، فإن معاملة رئيسة المصلحة للأطباء داخل المستشفى تعكس غياب ثقافة القيادة الرشيدة التي ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل وبناء الثقة. فالطبيب المقيم يدخل المستشفى في بداية مساره ليُكوَّن ويُدعم ويُمنح الفرصة لتطوير كفاءاته، لكنه يجد نفسه في مواجهة سلطة إدارية تحكمه بعقلية السيطرة لا بعقلية التوجيه. إن الإدارة الصحية في المستشفيات ليست مجرد هرم تنظيمي، بل هي فضاء يجب أن يكون قائمًا على التعاون والتضامن، لأن المهمة هنا لا تتعلق بإنجاز ملفات أو تحقيق أرباح، بل تتعلق بإنقاذ حياة طفل صغير، وهو أمر لا يحتمل أي نزاع داخلي أو تضييق نفسي. ومع ذلك، حين يصبح الخوف من العقوبة أو الإقصاء أكبر من الخوف من فقدان مريض، فإن المنظومة تنقلب على نفسها وتتحول إلى عبء إضافي بدل أن تكون سندًا للأطباء والمواطنين.

وإذا وضعنا هذه القضية في إطار أوسع، سنجد أنها تعكس ملامح أزمة عامة في المنظومة الصحية المغربية، حيث يُتَّهم الكثير من المسؤولين في مصالح المستشفيات باستعمال السلطة كأداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة لتسيير الموارد وحل المشاكل. وبدل أن تنصب الأولوية على تحسين ظروف العمل وتوفير المعدات والدعم النفسي للطبيب، تُهدر الطاقات في صراعات شخصية وإدارية، يدفع ثمنها الأطباء والممرضون والمرضى معًا. فكم من طبيب شاب اضطر إلى مغادرة البلاد بحثًا عن بيئة تحترم كرامته؟ وكم من طبيب انكسر داخليًا لأنه لم يجد من يحميه من الضغط أو يسانده في معاركه اليومية مع المرض والفقر والانتظار الطويل للأسر البائسة أمام أبواب المستشفيات؟

إن معاملة رئيسة المصلحة كما يصفها الأطباء تكشف أيضًا عن غياب آليات فعالة للمراقبة والتظلم داخل المؤسسات الصحية. فالمسؤول الإداري، مهما كان موقعه، ينبغي أن يخضع لتقييم دوري ومحاسبة دقيقة، لكن الواقع يظهر أن الكثير من هذه المناصب تُمنح بعلاقات شخصية أو توازنات سياسية داخل القطاع، مما يجعل صاحب المنصب يتصرف أحيانًا وكأنه فوق المساءلة، ويفرض على مرؤوسيه نمطًا من التعامل يفتقر إلى العدالة. هذا الغياب للمحاسبة يعمّق الإحباط ويزيد من منسوب الخوف، لأن الطبيب يعلم أن أي شكوى رسمية قد ترتد عليه بدل أن تحميه. لذلك يصبح اللجوء إلى الإعلام أو رفع الصوت علنًا هو الملاذ الأخير، حتى وإن كان محفوفًا بالمخاطر.

ولا يمكن أن نفصل هذه الممارسات عن انعكاساتها المباشرة على المريض المغربي، الذي يجد نفسه في نهاية السلسلة ضحية لكل هذا الارتباك. فالمريض الذي يدخل إلى مصلحة الجراحة الباطنية للأطفال في الهاروشي، لا يدرك خلفية الصراعات الإدارية، لكنه يشعر بالنتائج حين يواجه تأخرًا في المواعيد أو قسوة في التعامل أو نقصًا في العناية. إن البيئة المتوترة تنعكس حتمًا على الأداء الطبي، لأن الطبيب المرهق نفسيًا والمضغوط إداريًا لا يستطيع أن يمنح كامل طاقته للمريض. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكبر: كيف يمكن الحديث عن الحق في الصحة إذا كان من يحمل هذا الحق ويضمنه، أي الطبيب، محرومًا من أبسط شروط الكرامة والاحترام؟

قد يقول البعض إن الصرامة مطلوبة في إدارة المصالح الطبية، وهذا صحيح، لكن الصرامة لا تعني التعسف، والانضباط لا يعني الإذلال. الفرق بين الإدارة الناجحة والإدارة الفاشلة هو أن الأولى تعرف كيف توازن بين سلطة القرار واحترام الإنسان، بينما الثانية تسقط في فخ استعمال السلطة كأداة للهيمنة. إن الأطباء الشباب ليسوا خصومًا لرؤسائهم بل هم امتداد لهم، وهم من سيحملون شعلة الطب المغربي في المستقبل، ومن غير المنطقي أن يبدأوا مسارهم بالإحساس بالقهر أو الاغتراب داخل وطنهم.

وليس مستشفى الهاروشي إلا مرآة لما يجري في مستشفيات أخرى في المغرب، حيث تتكرر نفس الشهادات وإن بصيغ مختلفة، من طنجة إلى وجدة ومن مراكش إلى أكادير، يتحدث الأطباء عن نفس المعضلة: مسؤولون إداريون يتعاملون بسلطوية، وموارد ناقصة، وغياب آليات واضحة للحوار. في مستشفيات مراكش على سبيل المثال، سبق أن كشف أطباء مقيمون عن معاناتهم من ضغط شديد في أقسام الطوارئ، ليس بسبب المرضى فقط، بل بسبب سوء تنظيم المصلحة وتجاهل مطالبهم المتكررة بتوفير ظروف عمل إنسانية. وفي الرباط نفسها، خرج أطباء إلى وسائل الإعلام يشكون من نفس الإشكال، حيث تتحول بعض الإدارات إلى خصم بدل أن تكون سندًا. هذه التجارب المتكررة تعني أن المشكلة ليست استثناءً في مستشفى بعينه، بل هي جزء من أزمة أوسع تطبع القطاع الصحي العمومي وتجعله يعيش في توتر دائم بين الحاجة الملحة للعلاج وبين عجز الإدارة عن احتضان أطرها البشرية.

والجانب الأكثر إيلامًا في كل هذه التجارب هو الجانب النفسي للأطباء الشباب الذين يدخلون المهنة بحماس عالٍ ورغبة في خدمة الناس، لكنهم يصطدمون بجدار البيروقراطية والمعاملة الجافة من طرف بعض المسؤولين. الطبيب الذي يقضي ليلته بجوار سرير مريض صغير بين الحياة والموت، يحتاج بعد ذلك إلى كلمة دعم أو لمسة تقدير، لكنه كثيرًا ما يجد نفسه متهمًا بالتقصير أو مهددًا بالعقوبة. وهذا الضغط المتراكم يخلق حالات من الإرهاق النفسي والاكتئاب، بل إن بعض الأطباء اعترفوا علنًا أنهم فكروا في مغادرة المهنة كليًا أو الهجرة نحو الخارج حيث يحظون باحترام أكبر. إن الطبيب، مثل أي إنسان، يحتاج إلى الاعتراف بجهده وإلى بيئة عمل تحفظ كرامته، وعندما يُسلب منه هذا الحق، تتحول المهنة النبيلة إلى عبء ثقيل.

وإذا نظرنا إلى المستقبل، فإن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير شخص أو معاقبة مسؤول، بل يتطلب إعادة صياغة فلسفة الإدارة الصحية. ينبغي أن تُبنى علاقة الرؤساء بمرؤوسيهم على الشفافية والإنصات المتبادل، وأن تكون هناك هيئات مستقلة تُمكّن الطبيب أو الممرض من تقديم شكواه دون خوف من الانتقام. كما يجب أن يُعاد النظر في طرق تعيين رؤساء المصالح، بحيث لا تكون مبنية على الولاءات أو العلاقات الشخصية، بل على الكفاءة العلمية والقدرة الإنسانية على القيادة. فالرئيس في المستشفى ليس مجرد إداري، بل هو قدوة يُفترض أن يجمع بين الحزم والرحمة، وأن يوازن بين متطلبات العمل وضغط الواقع وبين ضرورة الحفاظ على كرامة العاملين معه.

خاتمة

إن إصلاح الإدارة الصحية في المغرب يجب أن يُنظر إليه كشرط أساسي لإنجاح أي إصلاح صحي شامل، لأن المعدات قد تُشترى، والبنايات قد تُبنى، لكن إذا ظلت العلاقة داخل المستشفى قائمة على الخوف والإذلال، فإن المريض لن يستفيد شيئًا. لقد آن الأوان لفتح نقاش وطني واسع حول كرامة الأطباء داخل مستشفياتهم، لأن الطبيب الذي لا يشعر بكرامته لن يستطيع أن يمنح مريضه الرعاية الكاملة. وما تجربة مستشفى الهاروشي إلا جرس إنذار يُحذر من أن الأمر لم يعد مجرد خلاف إداري داخلي، بل صار مسألة تمس حق المواطنين في العلاج وحق الأطباء في الكرامة معًا، وما لم يُستجب لهذه الإنذارات بجدية، فإن الثقة بين المواطن والمستشفى ستزداد هشاشة، وهو ما لا يحتمله بلد في حاجة ماسة إلى تعزيز ثقة مواطنيه في مؤسساته.

تعليقات