آخر المنشورات

العائلة الممزقة... صلة الرحم بين الماضي والحاضر

الرحم المقطوع... وجع صامت في قلب المجتمع 

مقدمة

 في زمن مضى لم يكن الناس يحتاجون إلى مواعظ طويلة ولا إلى خطب متكررة ليعرفوا معنى صلة الرحم، فقد كانت جزءًا من طبيعة الحياة اليومية، وكانت البيوت متقاربة والنفوس متآلفة والقلوب أكثر صفاءً وأقل انشغالًا بضجيج الدنيا. كانت زيارة الأقارب واجبة في نظر الجميع، وكان الانقطاع عنهم يعد عيبًا كبيرًا وخطيئة أخلاقية لا تُغتفر، حتى أن الناس كانوا يخجلون من فكرة أن يُقال عنهم إنهم قطعوا رحمهم. لكن مع مرور الوقت وتغير نمط العيش واشتداد تعلق البشر بمظاهر الحضارة المادية، أخذت هذه الروابط تضعف شيئًا فشيئًا حتى صار اختفاء صلة الرحم أمرًا مألوفًا في كثير من المجتمعات، وصار من الطبيعي أن يعيش الإنسان سنوات دون أن يرى أبناء عمومته أو أخواله أو حتى أقرب الناس إليه، مكتفيًا برسائل عابرة على شاشة هاتف بارد لا ينقل دفء اللقاء ولا حرارة المشاعر.

عرض

وإذا أردنا أن نفهم سر هذا الاختفاء فلا بد أن نعود إلى جذور المشكلة، فالإنسان في طبيعته كائن اجتماعي، يحتاج إلى غيره كما يحتاج إلى الهواء والماء، لكن النظام الحديث للحياة فرض إيقاعًا قاسيًا جعل الفرد ينشغل بنفسه أكثر من أي وقت مضى، وصار النجاح يقاس بما يملكه المرء من مال أو جاه لا بما يقدمه من مودة ورحمة. هذا التحول جعل الكثيرين يعتبرون أن زيارة الأقارب مضيعة للوقت وأن الجلوس مع العائلة نوع من الترف الذي لا مكان له وسط زحام الالتزامات المهنية. ولعل المثال الأكثر وضوحًا هو أولئك الذين يعيشون في المدن الكبرى، حيث يبتلعهم العمل ويستهلكهم السباق اليومي فيتحولون إلى غرباء داخل أسرهم الصغيرة، فما بالك بأرحامهم الأبعد.

وقد يظن البعض أن التكنولوجيا الحديثة جاءت لتعوض هذا الانقطاع، إذ صار بإمكانك أن ترى قريبك بالصوت والصورة وأنت جالس في بيتك، غير أن الحقيقة أعمق من ذلك، فالاتصال الافتراضي لا يعادل أبدًا اللقاء المباشر، ولا يمكن لشاشة أن تحل محل العناق أو الجلسة الطويلة التي تتخللها ذكريات وضحكات. بل إن هذه الوسائل صارت في بعض الأحيان ذريعة لقطع الرحم أكثر مما هي وسيلة لصِلته، إذ يكتفي الناس برسالة مقتضبة في الأعياد والمناسبات، وكأنهم يؤدون واجبًا شكليًا بلا روح.

وما يزيد الأمر تعقيدًا أن ثقافة الاستهلاك المهيمنة على عقول الناس جعلت العلاقات الإنسانية مرتبطة بالمصلحة أكثر من ارتباطها بالرحمة، فإذا احتاج المرء إلى قريب قصد بابه، وإذا استغنى عنه غاب عن عينه، وكأن صلة الدم فقدت معناها لتتحول إلى مجرد ورقة قديمة لا يقرأها أحد. والواقع أن هذا الانقطاع لا يضر الأقارب وحدهم، بل ينعكس أولًا على الفرد نفسه، إذ يفقد شبكة الأمان العاطفي التي تمده بالقوة عند الشدائد وتذكره بجذوره في لحظات التيه.

إننا حين نتأمل حال الأجيال الجديدة نجد أن كثيرًا من الأطفال ينشأون اليوم وهم لا يعرفون إلا أسماء محدودة من عائلتهم، بعضهم لم يرَ جده أو عمته أو خاله إلا مرة أو مرتين في حياته، فيكبر وهو يشعر أن العائلة لا تعني سوى الأب والأم وربما الإخوة. هذا الانكماش في مفهوم العائلة يؤدي إلى جفاف في المشاعر وإلى ضيق في المدارك، لأن الطفل الذي اعتاد على لقاء الأقارب واكتساب خبراتهم وعيش تجاربهم يكون أوسع صدرًا وأكثر قدرة على التكيف الاجتماعي من ذلك الذي يعيش في دائرة ضيقة لا يرى فيها إلا وجوهًا معدودة.

ولعل المدهش أن كثيرًا من الناس الذين قطعوا أرحامهم لا يشعرون بخطورة ما يفعلون إلا حين تصيبهم مصيبة أو يمرون بأزمة، عندها يكتشفون أن المال والأصدقاء العابرين لا يعوضون دفء العائلة، وأن القريب الذي انقطعت عنه ربما يكون وحده القادر على مواساتك بصدق، لأنه لا ينظر إليك بعين المصلحة بل بعين الدم والرحم. غير أن استعادة هذه الروابط بعد أن تنقطع لسنوات ليست مهمة سهلة، فالجفاء يتراكم، والقلوب تتباعد، وكل طرف يظن أن الآخر هو من بدأ بالقطيعة، فتظل الجسور مهدومة حتى يفاجئ الموت أحد الأطراف فيتحسر الباقون على ضياع الوقت ويتمنون لو أن الزمن عاد بهم خطوة واحدة إلى الوراء.

ولكي نكون منصفين لا بد أن نعترف أن ثمة عوامل اجتماعية واقتصادية ساهمت في اختفاء صلة الرحم. فالهجرة مثلًا فرقت الكثير من العائلات، حيث غادر الأبناء أو البنات إلى مدن بعيدة أو دول أخرى بحثًا عن الرزق، فانشغل كل واحد ببناء مستقبله ونسي أن له جذورًا تنتظره. كما أن الأزمات الاقتصادية جعلت بعض الناس يشعرون بالحرج من زيارة أقاربهم خوفًا من أن يطلبوا منهم مساعدة أو أن يثقلوا عليهم، فتحول الحياء إلى قطيعة غير معلنة. وهناك أيضًا الخلافات الموروثة بين العائلات، حيث يتوارث الأبناء عداوات لم يرتكبوها هم، فيكبرون وهم بعيدون عن أرحامهم بسبب نزاعات قديمة على ميراث أو قطعة أرض.

لكن كل هذه الأعذار لا تخفي الحقيقة الجوهرية، وهي أن القلوب أصبحت أكثر قسوة وأن الأنانية صارت طابعًا غالبًا على النفوس، فلا أحد يريد أن يتنازل أو يتغاضى أو يبادر، وكل فرد يبرر تقصيره بأعذار واهية، متناسيًا أن صلة الرحم ليست مجرد عادة اجتماعية بل هي قيمة إنسانية وروحية عميقة تعكس معنى الرحمة والوفاء.

إذا أردنا معالجة هذا الداء فعلينا أن نعيد الاعتبار لفكرة العائلة الممتدة، وأن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن زيارة الأقارب ليست واجبًا ثقيلًا بل فرصة لاكتساب المحبة والدعم، وأن الإنسان الذي يعيش معزولًا عن رحمه يشبه شجرة مقطوعة الجذور، قد تزهر يومًا لكنها تذبل سريعًا لأنها بلا عمق ولا سند. يمكن أن نبدأ بخطوات صغيرة، كالاتصال المنتظم وزيارة شهرية أو لقاء جماعي في الأعياد، ثم تتوسع الدائرة تدريجيًا لتصبح عادة راسخة.

وقد تكون البداية من الفرد نفسه، بأن يتغلب على كبريائه ويكسر حاجز الصمت، فليس من العيب أن تكون أنت البادئ ولو كنت تعتقد أن الطرف الآخر هو المقصر. المبادرة هنا تعني أنك تعطي قيمة للعلاقة أكثر مما تعطيها للجدل حول من أخطأ أولًا. وحين يرى الأقارب هذه الروح المتسامحة ربما تتحرك قلوبهم وتذوب الجفوة.

من المهم أيضًا أن نفهم أن صلة الرحم ليست دائمًا مثالية أو سهلة، فقد يكون بين الأقارب من يسبب الأذى أو يفتعل المشاكل، وهنا يخطئ البعض حين يظن أن الحل هو القطيعة التامة، بينما يمكن أن تكون هناك درجات من التواصل تحفظ الحد الأدنى من الصلة دون أن تلزم الإنسان بتكرار المعاناة. فالمقصود أن لا نغلق الأبواب تمامًا، بل نترك نافذة صغيرة تسمح باستمرار الخيط الرفيع الذي يربطنا.

حين نتأمل اختفاء صلة الرحم ندرك أنه ليس مجرد قضية فردية بل هو مؤشر على تحول عميق في المجتمع، فالمجتمع الذي ينقطع فيه الناس عن بعضهم يصبح هشًا ومعرضًا للتفكك، لأن قوة الروابط الأسرية هي التي تمنح الأفراد حصانة ضد الانعزال والضياع. وإذا أردنا بناء مجتمع متماسك فعلينا أن نعيد إحياء هذه القيمة ونزرعها في أجيالنا المقبلة، حتى لا نصحو يومًا فنجد أنفسنا غرباء لا يجمعنا سوى اسم عائلة مكتوب في وثائق رسمية دون أي معنى عاطفي أو إنساني.

خاتمة

وفي النهاية يمكن القول إن اختفاء صلة الرحم جرح غائر في ضمير الإنسانية، جرح لا يندمل إلا إذا تذكر كل واحد منا أن العائلة ليست مجرد خيار بل قدر، وأن الدم لا يمكن أن يتحول إلى ماء إلا إذا سمحنا له نحن أن يجف. لعل ما نحتاجه ليس محاضرات ولا شعارات، بل لحظة صدق مع أنفسنا نسأل فيها: ماذا خسرنا حين ابتعدنا؟ وماذا سنربح إن عدنا؟ الجواب كامن في أعماق كل واحد منا، ومن يملك الشجاعة ليجيب بصدق سيعرف أن العودة إلى الرحم ليست مجرد فضيلة، بل هي ضرورة للحياة نفسها.

تعليقات