سنوات القمع السوداء: ساكا وآلة التعذيب 1956-1960
عبد القادر ساكا: جلاد الكوميساريا السابعة في دار البيضاء.. رمز للقمع في سنوات ما بعد الاستقلالالمقدمةفي أعماق تاريخ المغرب الحديث، حيث تتقاطع خيوط الاستقلال مع شبكات القمع الاستعماري الموروثة، يبرز اسم عبد القادر ساكا كواحد من أكثر الرموز إثارة للجدل والرعب. كان ساكا ضابطاً في الشرطة المغربية الجديدة، مسؤولاً عن الكوميساريا السابع (7ème arrondissement de police) في حي درب السلطان بدار البيضاء، خلال الفترة الحرجة من 1956 إلى 1960. هذه السنوات، التي تلت استقلال المغرب في مارس 1956، كانت فترة انتقالية مليئة بالتوترات السياسية والاجتماعية. كان الاستقلال قد أنهى الاستعمار الفرنسي، لكنه لم يمحُ آثار آليات القمع التي ورثتها الدولة الجديدة. بدلاً من ذلك، استمرت هذه الآليات في خدمة نظام ملكي يسعى لتوحيد السلطة تحت قيادة الملك محمد الخامس، ثم ابنه الحسن الثاني بعد وفاته في 1961.الكوميساريا السابع، المعروفة بـ"السنوات السوداء" (Les années noires)، لم تكن مجرد مركز شرطة عادي؛ كانت واحة للتعذيب والإعدامات السرية، حيث كانت تُنقل إليها الناشطين السياسيين، اليساريين، وأعضاء حزب الديمقراطيين المستقلين (PDI)، ليواجهوا جحيم الاستجوابات الوحشية. عبد القادر ساكا، الذي يُلقَب بـ"الجلاد" (bourreau)، كان الوجه البارز لهذا الجهاز القمعي. لم يكن ساكا وحده؛ كان جزءاً من شبكة أوسع تضم ضباطاً مثل محمد أشعاشي ومحمد مسناوي، الذين شاركوا في عمليات الاعتقال والتعذيب خلال تلك الحقبة. هؤلاء الرجال، الذين انتقل بعضهم من صفوف الشرطة الاستعمارية الفرنسية إلى الجهاز الأمني المغربي، يمثلون الاستمرارية المظلمة للقمع: من الاستعمار إلى "سنوات الرصاص" (Les années de plomb)، التي امتدت من 1956 إلى 1999.هذا المقال يغوص في شخصية ساكا ودوره في الكوميساريا السابعة بالبيضاء، مع توسيع النطاق ليشمل سياق الفترة وأبرز الشخصيات الأخرى في آلية الرعب تلك. سنستعرض الخلفية التاريخية، التفاصيل العملياتية للقمع، الشهادات المؤلمة للضحايا، والإرث الذي تركته هذه السنوات على الذاكرة الجماعية المغربية. من خلال هذا التحليل، نكشف كيف تحولت أدوات الاستعمار إلى أسلحة داخلية، مما أدى إلى آلاف الضحايا، وكيف يظل هذا التاريخ مصدر إلهام لنضالات حقوق الإنسان اليوم. في زمن يسعى فيه المغرب للمصالحة مع ماضيه، يذكرنا ساكا بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ بمواجهة الظلال الداخلية.
العرض
السياق التاريخي: من الاستقلال إلى السنوات السوداءبعد استقلال المغرب في 2 مارس 1956، أمام تحديات هائلة: بناء دولة قوية، توحيد الأراضي، ومواجهة التوترات الداخلية. كان الملك محمد الخامس يسعى لتعزيز سلطته مقابل الأحزاب الوطنية مثل حزب الاستقلال (Istiqlal) وحزب الديمقراطيين المستقلين (PDI)، الذي انشق عن الأول في 1959 بسبب خلافات حول الاشتراكية والديمقراطية. هذه الفترة شهدت صراعاً بين الملكية واليسار، حيث اعتبرت الحكومة أي معارضة تهديداً للوحدة الوطنية. ورثت الشرطة المغربية هيكل الـ"Police Chérifienne" الاستعمارية، التي كانت متخصصة في الرقابة والقمع. أُنشئت المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) في 16 مايو 1956 بموجب الظهير الشريف رقم 1-56-115، لكنها احتفظت بكثير من الضباط الفرنسيين والمغاربة الذين عملوا تحت الاستعمار، مما سمح باستمرارية الممارسات الوحشية.
في الدار البيضاء، المدينة الصناعية والثورية، أصبحت الكوميساريا السابع رمزاً للقمع. تقع في حي درب السلطان، الشعبي والفقير، كانت هذه الكوميساريا مكاناً للإعدامات السرية والتعذيب المنهجي. وفقاً لتقارير الـInstance Équité et Réconciliation (IER) في 2005، سجلت أكثر من 9,779 حالة انتهاك لحقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص، بما في ذلك 1,018 قتيلاً، وكانت الكوميساريا السابع جزءاً أساسياً من هذا النظام. كانت الاعتقالات تتم ليلاً، مع ربط الضحايا وعزلهم عن العالم الخارجي، في انتهاك لاتفاقيات جنيف. هذا السياق لم يكن مصادفة؛ كان جزءاً من استراتيجية "الحرب ضد الثورة" (guerre contre-révolutionnaire)، مستوحاة من الدروس الاستعمارية في الجزائر.عبد القادر ساكا: الجلاد الرئيسي في الكوميساريا السابعولد عبد القادر ساكا في أوائل القرن العشرين، وانضم إلى صفوف الشرطة الاستعمارية في الثلاثينيات، حيث تعلم فنون التعذيب تحت إشراف الفرنسيين. بعد الاستقلال، أصبح ضابطاً في "Cab-1"، وحدة المخابرات السرية التابعة للداخلية، ومسؤولاً عن الكوميساريا السابع من 1956 إلى 1960. كان ساكا معروفاً ببرودته وكفاءته في الاستجوابات؛ يُروى أنه كان يشرف شخصياً على جلسات الغرق في براميل الماء الملوث، والصعق الكهربائي، والضرب بالهراوات. في 13 أغسطس 1956، نقلت مجموعة من أعضاء PDI إلى الكوميساريا، حيث تعرضوا لتعذيب مكثف بسبب اتهامهم باغتيال الزعيمين الاستقلاليين الروداني وزيراوي. شهادة أحد الناجين، المنشورة في مجلة "Zamane" عام 2020، تصف: "ربطوا يديّ ورجليّ، غمروا رأسي في برميل ماء قذر حتى الاختناق، ثم صعقوني بالكهرباء وصفعوني بلا توقف. بعد كل نفي، كانت الضربات تتكرر".
ساكا لم يكن مجرد منفذ؛ كان مصمماً للعمليات. في 1957، خلال حملة القمع ضد اليساريين، أشرف على اعتقال عشرات الطلاب والعمال في دار البيضاء، مستخدماً تقنيات مستوردة من الاستعمار مثل "الغرفة السوداء" (chambre noire)، حيث يُحرم الضحية من النوم والطعام. تقديرات غير رسمية تشير إلى أن مئات الوفيات حدثت هناك، مع إخفاء الجثث في مقابر جماعية أو رميها في البحر. دور ساكا امتد إلى الستينيات؛ في 1965، تورط في تحقيقات اغتيال مهدي بن بركة، الزعيم اليساري المنفي في باريس. في 2001، استُجوب ساكا في محضر شرطة بدار البيضاء، إلى جانب أشعاشي ومسناوي، في مواجهة بين عملاء سريين، بحضور ضباط من الرقابة العامة والمخابرات (DST). وفقاً لتقرير "Le Monde" في 2001، اعترف ساكا جزئياً بدوره في "الإجراءات الخاصة"، لكنه نفى القتل المباشر.الآخرون: شبكة الجلادين في الفترة ذاتهالم يكن ساكا وحيداً؛ كان جزءاً من فريق قمعي أوسع. محمد أشعاشي (Achaachi)، رئيس "Cab-1"، كان المهندس الرئيسي للعمليات السرية. في الثمانينيات، برز اسمه في قضية بن بركة، حيث أشرف على نقل الجثة إلى المغرب، حيث ذُوِبَت في حمض. أشعاشي، الذي عمل تحت الاستعمار، استمر في خدمة الحسن الثاني حتى الثمانينيات، ويُتهم بمئات الاعتقالات في الكوميساريا السابع. محمد مسناوي (Mesnaoui)، زميل ساكا، كان متخصصاً في التعذيب النفسي؛ في 1958، أشرف على جلسات استجواب لأعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP)، مما أدى إلى وفيات متعددة. في 2001، واجه مسناوي ساكا في التحقيق، محاولاً تحميل المسؤولية على "الظروف السياسية".
أما الجنرال محمد أوفقير (Oufkir)، وزير الداخلية من 1959 إلى 1973، فكان الرأس الكبير. في 1965، أشرف على عملية خطف بن بركة في باريس، بمساعدة الشرطة الفرنسية والموساد الإسرائيلي. وفقاً لكتاب رونين بيرغمان "Rise and Kill First" (2018)، ساعد الموساد في تحديد موقع بن بركة، ثم نفذ أوفقير التعذيب الذي أدى إلى مقتله، مع إذابة الجثة في برميل حمض. أوفقير، الذي قُتِلَ في 1972 بعد فشل انقلاب، يُعتبر أباً لـ"سنوات الرصاص"، حيث أشرف على مراكز مثل درب مولاي الشريف (من 1959 إلى 1991)، الذي حول إلى متحف في 2024 كتذكير بالمظالم.أحمد الدليمي (Dlimi)، قائد المخابرات، كان شريكاً في عمليات الكوميساريا؛ في 1965، طار إلى باريس للإشراف على استجواب بن بركة. هؤلاء الرجال شكلوا "الدولة العميقة"، مستخدمين وحدات مثل "Cab-1" للقضاء على المعارضة. في 1956-1960، ركز القمع على PDI وUNFP، مع اعتقالات جماعية في دار البيضاء، حيث بلغت الوفيات المسجلة 114 في إحدى الحملات وحدها.الشهادات: أصوات الضحايا من الكوميساريا السابعالشهادات تكشف الرعب اليومي. في "Zamane" (2020)، يروي ناجٍ من PDI: "في أغسطس 1956، نقلونا إلى الكوميساريا السابع. ساكا كان يقف هناك، يدير الجلسات. غمروني في الماء حتى الغرق، ثم صعقوني. كل نفي كان يعني ساعات إضافية من الألم". آخرى، منشورة في "Cahiers du témoignage chrétien" (1953)، تصف التعذيب الكهربائي: "ربطوا الأسلاك بأجسادنا، والتيار يسري كالنار". الـIER في 2005 سجلت شهادات عن 3,000 قتيل على الأقل، معظمها في مراكز مثل السابع. فاطمة سملاّلي، في جلسة عامة عام 2004، روت عن ابنها الذي اختُطِفَ عام 1970 وتعذّبَ هناك: "كان يعود مصاباً، يبكي من الألم، لكنه لم يعترف بشيء".هذه الشهادات ليست مجرد قصص؛ هي دليل على نظامي التعذيب. في 1957، خلال إضراب عمالي في دار البيضاء، اعتُقِلَ مئات، وتعرضوا لـ"الغرفة السوداء"، حيث يُحْرَمُون من النوم لأيام. تقرير الـAMDH (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) يقدر الضحايا بآلاف، معظمها شباب يساريون.الآثار والاستمراريةامتد دور ساكا إلى الستينيات؛ في 1965، ساهم في قضية بن بركة، التي أثارت فضيحة دولية. في 2001، أدت مواجهته مع بوعري (Boukhari)، الضابط السابق، إلى كشف تفاصيل: نقل الجثة إلى المغرب، وإذابتها في حمض. هذا الإرث يمتد إلى مراكز مثل تمارة ودرب مولاي الشريف، حيث حُوِّلَ الأخير إلى متحف عام 2024 لتذكير بالـ"سنوات السوداء".
الخاتمةعبد القادر ساكا، مع أشعاشي، مسناوي، أوفقير، والدليمي، يمثلون وجهاً مظلماً من تاريخ المغرب: كيف تحولت أدوات الاستعمار إلى أسلحة داخلية، مما أدى إلى آلاف الضحايا في الكوميساريا السابع وغيرها. هذه السنوات (1956-1960) لم تكن نهاية؛ بل بداية لـ"سنوات الرصاص"، التي أنتجت جيلاً من الناجين يطالبون بالعدالة. الـIER في 2005 كشفت 9,779 حالة، لكن الجراح مستمرة. اليوم، مع متحف درب مولاي الشريف، يسعى المغرب للمصالحة، مستلهماً شهادات الضحايا. ساكا ليس مجرد اسم؛ هو تذكير بأن الحرية الحقيقية تتطلب مواجهة الماضي، وأن صوت الضحايا هو الضمان ضد التكرار. في عالم يتردد فيه صدى القمع، يظل تاريخ الكوميساريا السابع درساً في الصمود والمساءلة.
العرض
السياق التاريخي: من الاستقلال إلى السنوات السوداءبعد استقلال المغرب في 2 مارس 1956، أمام تحديات هائلة: بناء دولة قوية، توحيد الأراضي، ومواجهة التوترات الداخلية. كان الملك محمد الخامس يسعى لتعزيز سلطته مقابل الأحزاب الوطنية مثل حزب الاستقلال (Istiqlal) وحزب الديمقراطيين المستقلين (PDI)، الذي انشق عن الأول في 1959 بسبب خلافات حول الاشتراكية والديمقراطية. هذه الفترة شهدت صراعاً بين الملكية واليسار، حيث اعتبرت الحكومة أي معارضة تهديداً للوحدة الوطنية. ورثت الشرطة المغربية هيكل الـ"Police Chérifienne" الاستعمارية، التي كانت متخصصة في الرقابة والقمع. أُنشئت المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) في 16 مايو 1956 بموجب الظهير الشريف رقم 1-56-115، لكنها احتفظت بكثير من الضباط الفرنسيين والمغاربة الذين عملوا تحت الاستعمار، مما سمح باستمرارية الممارسات الوحشية.
في الدار البيضاء، المدينة الصناعية والثورية، أصبحت الكوميساريا السابع رمزاً للقمع. تقع في حي درب السلطان، الشعبي والفقير، كانت هذه الكوميساريا مكاناً للإعدامات السرية والتعذيب المنهجي. وفقاً لتقارير الـInstance Équité et Réconciliation (IER) في 2005، سجلت أكثر من 9,779 حالة انتهاك لحقوق الإنسان خلال سنوات الرصاص، بما في ذلك 1,018 قتيلاً، وكانت الكوميساريا السابع جزءاً أساسياً من هذا النظام. كانت الاعتقالات تتم ليلاً، مع ربط الضحايا وعزلهم عن العالم الخارجي، في انتهاك لاتفاقيات جنيف. هذا السياق لم يكن مصادفة؛ كان جزءاً من استراتيجية "الحرب ضد الثورة" (guerre contre-révolutionnaire)، مستوحاة من الدروس الاستعمارية في الجزائر.عبد القادر ساكا: الجلاد الرئيسي في الكوميساريا السابعولد عبد القادر ساكا في أوائل القرن العشرين، وانضم إلى صفوف الشرطة الاستعمارية في الثلاثينيات، حيث تعلم فنون التعذيب تحت إشراف الفرنسيين. بعد الاستقلال، أصبح ضابطاً في "Cab-1"، وحدة المخابرات السرية التابعة للداخلية، ومسؤولاً عن الكوميساريا السابع من 1956 إلى 1960. كان ساكا معروفاً ببرودته وكفاءته في الاستجوابات؛ يُروى أنه كان يشرف شخصياً على جلسات الغرق في براميل الماء الملوث، والصعق الكهربائي، والضرب بالهراوات. في 13 أغسطس 1956، نقلت مجموعة من أعضاء PDI إلى الكوميساريا، حيث تعرضوا لتعذيب مكثف بسبب اتهامهم باغتيال الزعيمين الاستقلاليين الروداني وزيراوي. شهادة أحد الناجين، المنشورة في مجلة "Zamane" عام 2020، تصف: "ربطوا يديّ ورجليّ، غمروا رأسي في برميل ماء قذر حتى الاختناق، ثم صعقوني بالكهرباء وصفعوني بلا توقف. بعد كل نفي، كانت الضربات تتكرر".
ساكا لم يكن مجرد منفذ؛ كان مصمماً للعمليات. في 1957، خلال حملة القمع ضد اليساريين، أشرف على اعتقال عشرات الطلاب والعمال في دار البيضاء، مستخدماً تقنيات مستوردة من الاستعمار مثل "الغرفة السوداء" (chambre noire)، حيث يُحرم الضحية من النوم والطعام. تقديرات غير رسمية تشير إلى أن مئات الوفيات حدثت هناك، مع إخفاء الجثث في مقابر جماعية أو رميها في البحر. دور ساكا امتد إلى الستينيات؛ في 1965، تورط في تحقيقات اغتيال مهدي بن بركة، الزعيم اليساري المنفي في باريس. في 2001، استُجوب ساكا في محضر شرطة بدار البيضاء، إلى جانب أشعاشي ومسناوي، في مواجهة بين عملاء سريين، بحضور ضباط من الرقابة العامة والمخابرات (DST). وفقاً لتقرير "Le Monde" في 2001، اعترف ساكا جزئياً بدوره في "الإجراءات الخاصة"، لكنه نفى القتل المباشر.الآخرون: شبكة الجلادين في الفترة ذاتهالم يكن ساكا وحيداً؛ كان جزءاً من فريق قمعي أوسع. محمد أشعاشي (Achaachi)، رئيس "Cab-1"، كان المهندس الرئيسي للعمليات السرية. في الثمانينيات، برز اسمه في قضية بن بركة، حيث أشرف على نقل الجثة إلى المغرب، حيث ذُوِبَت في حمض. أشعاشي، الذي عمل تحت الاستعمار، استمر في خدمة الحسن الثاني حتى الثمانينيات، ويُتهم بمئات الاعتقالات في الكوميساريا السابع. محمد مسناوي (Mesnaoui)، زميل ساكا، كان متخصصاً في التعذيب النفسي؛ في 1958، أشرف على جلسات استجواب لأعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP)، مما أدى إلى وفيات متعددة. في 2001، واجه مسناوي ساكا في التحقيق، محاولاً تحميل المسؤولية على "الظروف السياسية".
أما الجنرال محمد أوفقير (Oufkir)، وزير الداخلية من 1959 إلى 1973، فكان الرأس الكبير. في 1965، أشرف على عملية خطف بن بركة في باريس، بمساعدة الشرطة الفرنسية والموساد الإسرائيلي. وفقاً لكتاب رونين بيرغمان "Rise and Kill First" (2018)، ساعد الموساد في تحديد موقع بن بركة، ثم نفذ أوفقير التعذيب الذي أدى إلى مقتله، مع إذابة الجثة في برميل حمض. أوفقير، الذي قُتِلَ في 1972 بعد فشل انقلاب، يُعتبر أباً لـ"سنوات الرصاص"، حيث أشرف على مراكز مثل درب مولاي الشريف (من 1959 إلى 1991)، الذي حول إلى متحف في 2024 كتذكير بالمظالم.أحمد الدليمي (Dlimi)، قائد المخابرات، كان شريكاً في عمليات الكوميساريا؛ في 1965، طار إلى باريس للإشراف على استجواب بن بركة. هؤلاء الرجال شكلوا "الدولة العميقة"، مستخدمين وحدات مثل "Cab-1" للقضاء على المعارضة. في 1956-1960، ركز القمع على PDI وUNFP، مع اعتقالات جماعية في دار البيضاء، حيث بلغت الوفيات المسجلة 114 في إحدى الحملات وحدها.الشهادات: أصوات الضحايا من الكوميساريا السابعالشهادات تكشف الرعب اليومي. في "Zamane" (2020)، يروي ناجٍ من PDI: "في أغسطس 1956، نقلونا إلى الكوميساريا السابع. ساكا كان يقف هناك، يدير الجلسات. غمروني في الماء حتى الغرق، ثم صعقوني. كل نفي كان يعني ساعات إضافية من الألم". آخرى، منشورة في "Cahiers du témoignage chrétien" (1953)، تصف التعذيب الكهربائي: "ربطوا الأسلاك بأجسادنا، والتيار يسري كالنار". الـIER في 2005 سجلت شهادات عن 3,000 قتيل على الأقل، معظمها في مراكز مثل السابع. فاطمة سملاّلي، في جلسة عامة عام 2004، روت عن ابنها الذي اختُطِفَ عام 1970 وتعذّبَ هناك: "كان يعود مصاباً، يبكي من الألم، لكنه لم يعترف بشيء".هذه الشهادات ليست مجرد قصص؛ هي دليل على نظامي التعذيب. في 1957، خلال إضراب عمالي في دار البيضاء، اعتُقِلَ مئات، وتعرضوا لـ"الغرفة السوداء"، حيث يُحْرَمُون من النوم لأيام. تقرير الـAMDH (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) يقدر الضحايا بآلاف، معظمها شباب يساريون.الآثار والاستمراريةامتد دور ساكا إلى الستينيات؛ في 1965، ساهم في قضية بن بركة، التي أثارت فضيحة دولية. في 2001، أدت مواجهته مع بوعري (Boukhari)، الضابط السابق، إلى كشف تفاصيل: نقل الجثة إلى المغرب، وإذابتها في حمض. هذا الإرث يمتد إلى مراكز مثل تمارة ودرب مولاي الشريف، حيث حُوِّلَ الأخير إلى متحف عام 2024 لتذكير بالـ"سنوات السوداء".
الخاتمةعبد القادر ساكا، مع أشعاشي، مسناوي، أوفقير، والدليمي، يمثلون وجهاً مظلماً من تاريخ المغرب: كيف تحولت أدوات الاستعمار إلى أسلحة داخلية، مما أدى إلى آلاف الضحايا في الكوميساريا السابع وغيرها. هذه السنوات (1956-1960) لم تكن نهاية؛ بل بداية لـ"سنوات الرصاص"، التي أنتجت جيلاً من الناجين يطالبون بالعدالة. الـIER في 2005 كشفت 9,779 حالة، لكن الجراح مستمرة. اليوم، مع متحف درب مولاي الشريف، يسعى المغرب للمصالحة، مستلهماً شهادات الضحايا. ساكا ليس مجرد اسم؛ هو تذكير بأن الحرية الحقيقية تتطلب مواجهة الماضي، وأن صوت الضحايا هو الضمان ضد التكرار. في عالم يتردد فيه صدى القمع، يظل تاريخ الكوميساريا السابع درساً في الصمود والمساءلة.