غموض مصحة برشيد: فقدان جثة رضيع بين الإهمال القانوني والوصم الاجتماعي
المقدمة
حين يسمع الإنسان لأول وهلة بخبر اختفاء جثة رضيع من مستودع الأموات داخل مصحة خاصة ببرشيد، يشعر بالذهول والارتباك وكأننا أمام مشهد من رواية بوليسية أو من فيلم غامض، لا أمام واقعة حقيقية حدثت في بلد يتباهى بأنه يسعى لتطوير منظومته الصحية وتعزيز ثقة مواطنيه في مؤسساته. الحادثة التي وقعت صيف سنة 2025 لم تكن مجرد خطأ إداري عابر أو حادث عرضي يمكن تجاوزه بالنسيان، بل تحولت منذ لحظة انتشارها إلى فضيحة وطنية مسّت وجدان الناس وطرحت أسئلة محرجة حول مصداقية المصحات الخاصة ومدى احترامها لأبسط القواعد المهنية والأخلاقية، كما أعادت إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول ضعف الرقابة القانونية على هذا القطاع الذي غالبًا ما يشتغل بمنطق تجاري أكثر مما يشتغل بروح إنسانية. إن اختفاء جثة رضيع ليس تفصيلاً صغيرًا في يوميات مدينة هادئة مثل برشيد، بل هو واقعة صادمة تحمل رمزية عميقة، لأنها تضعنا وجها لوجه أمام حقيقة مفادها أن كرامة الإنسان مهددة حتى بعد الموت، وأن الثقة التي يمنحها المواطن للمؤسسات الصحية قد تتحول في لحظة إلى كابوس حين تفتح أبواب الغموض والريبة.
غياب كاميرات المراقبة في المستودع كشف عن خلل فادح في تجهيزات المصحة، وعن إهمال إداري وأمني لا يمكن تبريره. هذا الغياب فتح الباب أمام كل الاحتمالات: هل تم التلاعب بالجثة عمدًا؟ هل وقعت في يد شبكات مشبوهة تتاجر في الأعضاء أو تستغل الجثث في أغراض غير مشروعة؟ أم أن الأمر لم يكن سوى نتيجة فوضى مهنية واستهتار بحياة الناس وموتاهم؟ أمام هذه الأسئلة تدخلت النيابة العامة بسرعة وأحالت الملف على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، لما للقضية من حساسية كبيرة. وتم الاستماع إلى مدير المصحة، وإلى عامل سباكة شهير في المنطقة بلقب "بلمومبي"، وإلى المستخدم الذي وضع الجثة في المستودع، بالإضافة إلى والدي الرضيع.
التحقيقات التي تواصلت لأسابيع لم تسفر عن العثور على الجثة نفسها، وهو ما جعل الغموض أكثر حدة، إذ كيف يعقل أن تضيع جثة وتختفي دون أن تترك أي أثر؟ ومع ذلك، خلصت النيابة العامة إلى وجود مسؤوليات تقصيرية تستوجب المحاكمة. وفي التاسع والعشرين من يوليوز 2025 أصدرت المحكمة الابتدائية الزجرية ببرشيد حكمها، فقضت بثلاثة أشهر حبسًا نافذًا في حق مدير المصحة و"بلمومبي"، وشهرين حبسًا نافذًا في حق والدي الرضيع، بينما تمت تبرئة المستخدم الذي وضع الجثة في المستودع لغياب أي دليل على مسؤوليته.
هذه الأحكام أحدثت جدلاً واسعًا في المجتمع. فهناك من اعتبرها مخففة جدًا مقارنة بخطورة الفعل، إذ أن فقدان جثة رضيع لا يمكن أن يمر بنفس العقوبة التي تُسند عادة إلى قضايا الإهمال البسيطة، بل يستحق ردعًا أكبر يحفظ حرمة الموتى ويعيد الثقة في المؤسسات الصحية. وهناك من اعتبر أن الحكم على والدي الرضيع يمثل ظلمًا صارخًا، لأنهما في الأصل ضحيتان فقدا فلذة كبدهما في ظروف مأساوية، وكان من الأولى أن يُعزّيا لا أن يُعاقبا. في المقابل، دافع آخرون عن منطق المحكمة، معتبرين أن القانون لا يستطيع أن يبني أحكامه على العواطف بل على الأدلة، وأن غياب الجثة وضعف القرائن جعلت المحكمة تنحاز إلى الحد الأدنى من العقوبة.
لكن الرأي العام لم يقتنع بهذه القراءة القانونية الباردة، لأن الفعل في المخيال الجماعي يمثل جريمة أخلاقية بامتياز. لقد فُتح الباب واسعًا أمام الشكوك والتأويلات: البعض تحدث عن إمكانية وجود شبكات تتاجر في جثث الرضع أو أعضائهم، وهو سيناريو مقلق لكنه يجد صداه في تجارب دول أخرى حيث كُشف عن ممارسات مشابهة. والبعض الآخر رأى أن القضية لا تعدو أن تكون نتيجة فوضى إدارية وتسيب مهني في المصحة، لكنه تسيب قاتل من حيث المعنى لأنه يتعلق بأجساد موتى لهم حق في أن يُحترموا.
القانون المغربي في مثل هذه الحالات يتعامل مع الإهمال باعتباره جنحة، ويعاقب عليها بأشهر قليلة من السجن، وهو ما يفسر الحكم الصادر. غير أن هذه القراءة القانونية تكشف عن فجوة كبيرة بين النص القانوني وبين شعور المجتمع بالعدالة. فحرمة الموتى ليست مجرد تفصيل إداري، بل هي جزء من القيم الدينية والثقافية العميقة في المغرب، حيث يعتبر الناس أن دفن الميت وتكريمه واجب شرعي وأخلاقي لا يقبل التهاون. لذلك كان الحكم القضائي في نظر كثيرين غير منصف، لأنه لم يعكس حجم الصدمة ولا جسامة الفعل.
وإذا نظرنا إلى السياق الأوسع، نجد أن هذه القضية ليست معزولة عن واقع عام يتميز بضعف الرقابة على المصحات الخاصة. كثير من هذه المؤسسات تشتغل بعقلية تجارية بحتة، تركّز على الربح أكثر مما تركز على الجانب الإنساني. وغياب آليات صارمة للمحاسبة والرقابة يجعلها عرضة لتجاوزات خطيرة، كما حدث في برشيد. بل إن هناك من ربط هذه القضية بملفات سابقة تتعلق بسوء تدبير الجثث في مستشفيات عمومية، حيث عرفت بعض المدن المغربية حوادث اختلاط أوضاع الجثث أو تأخير تسليمها لذويها. وإذا كانت تلك الحالات قد أُرجعت غالبًا إلى ضعف الإمكانيات، فإن ما وقع في برشيد يختلف لأنه حدث في مصحة خاصة من المفروض أن تكون مجهزة ومهيأة.
المنظمات الحقوقية دخلت على الخط بدورها، إذ طالبت بفتح نقاش وطني حول شروط عمل المصحات الخاصة، ودعت إلى تشديد العقوبات في مثل هذه القضايا، لأن اختفاء جثة ليس مجرد حادث عابر بل مساس مباشر بحقوق الإنسان. بعض الجمعيات النسائية اعتبرت أن الحكم على الأم يكرس التمييز ضد النساء في وضعية هشّة، ويعكس نظرة عقابية بدل أن يعكس تضامنًا إنسانيًا. كما دعا محامون إلى مراجعة القوانين المتعلقة بمستودعات الأموات وتزويدها بكاميرات مراقبة وإجراءات توثيق صارمة، حتى لا يتكرر مثل هذا الغموض مستقبلاً.
ولكي ندرك خطورة ما وقع، يكفي أن نقارن بما حدث في دول أخرى. ففي فرنسا مثلًا، حين كُشف عن تلاعب في جثث داخل بعض المستشفيات، اعتُبر الأمر فضيحة وطنية وصدرت عقوبات قاسية وصلت إلى سنوات طويلة من السجن. وفي مصر أيضًا، حين اختفت جثث من مستشفى حكومي، تحولت القضية إلى قضية رأي عام وأُجبرت الحكومة على فتح تحقيق واسع. هذه المقارنات تظهر أن المغرب تعامل بنوع من التساهل مع قضية برشيد، أو على الأقل لم يعطها الحجم الذي تستحقه من حيث الردع والعقاب.