معاناة الأهل والأحبة الممزقين بين ضفتي المغرب والجزائر
الحدود المغربية الجزائرية
مقدمة
منذ أن ارتفعت الأسلاك الشائكة بين المغرب والجزائر، وتحوّلت الحدود التي كانت في الماضي مجرد علامات ترابية أو إشارات بسيطة إلى جدار نفسي وسياسي قاسٍ، وجد آلاف من الأسر أنفسهم أمام واقع لم يكن يخطر لهم على بال، واقع يقتضي أن يصبح القريب غريبًا، وأن تتحول المسافات القليلة إلى هوّة سحيقة لا يمكن عبورها إلا بتصاريح رسمية معقدة أو محاولات سرية محفوفة بالمخاطر. لقد كان أهل المناطق الحدودية يعيشون عبر التاريخ حياة مشتركة لا تعرف كثيرًا من الفوارق، يتبادلون السلع والزيارات والأفراح والأتراح، يجمعهم النسب والدم واللغة والعادات والقصص الشعبية، لكن فجأة تحولت هذه الروابط إلى جراح مفتوحة بفعل قرار سياسي جعل من خط وهمي فاصلاً بين قلوب كانت متشابكة ومتداخلة. إن المعاناة هنا ليست مجرد تفاصيل إدارية أو عراقيل سفر، بل هي مأساة إنسانية متجذرة، مأساة أمٍ ترى أبناءها على الجانب الآخر دون أن تستطيع أن تضمد جراحهم أو تحضر زفافهم، ومأساة أخٍ يشيّع والده من بعيد لأنه لا يملك الحق في عبور بضعة أمتار لحضور جنازة من أنجبه ورباه، ومأساة عشاق تفرقوا قبل أن تكتمل قصصهم لأن الجغرافيا خضعت لنزاع سياسي لا ذنب لهم فيه. إن الحدود المغربية الجزائرية لم تغلق فقط الطريق بين المدن، بل أغلقت أبواب البيوت، وأطفأت الكثير من شموع الأمل، وأدخلت الأسر في دوامة من الانتظار الطويل والحنين المؤلم، حنين يزداد قسوة مع كل مناسبة تضطر العائلة إلى عيشها منقوصة.
عرض
تخيل شيخًا في السبعين يعيش في وجدة وقد اعتاد منذ طفولته زيارة أقاربه في تلمسان، كانت الرحلات بالنسبة له مجرد دقائق على الطريق، وكان يستمتع بتلك اللحظات البسيطة التي يقضيها مع أبناء خالته، يزور الأسواق الشعبية، ويشارك في حفلات الأعراس، ويستعيد ذكريات الطفولة على ضفاف الوديان المشتركة. فجأة يجد نفسه أسير مدينة لم تعد الطريق منها سالكة، وكي يزور أحبته عليه أن يقطع آلاف الكيلومترات عبر دول أخرى، أو أن يستسلم لقدر الفراق. كيف يمكن للسياسة أن تنتزع من الإنسان أبسط حقوقه في أن يعانق ذويه؟ وكيف يمكن أن يفسر لطفله أن ابن خاله ليس بعيدًا، لكنه في الوقت نفسه بعيد المنال؟ إن الألم هنا يتضاعف حين يتحول القرب الجغرافي إلى استحالة واقعية، وحين تصبح الكيلومترات القليلة أشد بعدًا من المحيطات والبحار.
إن الذين يعيشون في المدن الكبرى البعيدة عن الشريط الحدودي قد لا يدركون تمامًا حجم المأساة، لأنهم اعتادوا أن يقيسوا العلاقات بالمسافات أو بالوثائق الرسمية، لكن أهل وجدة وبشار وتلمسان والناظور وغيرهم يعرفون جيدًا أن المسألة تتجاوز كل ذلك، لأنهم كانوا بالأمس القريب يشكلون عائلة واحدة ممتدة. لقد كانت النساء يتبادلن وصفات الطبخ والأزياء الشعبية، وكان الرجال يتعاونون في التجارة والعمل، وكانت الأعراس تجمع القرى المغربية والجزائرية في فرحة واحدة، فإذا بها تتحول اليوم إلى ذكريات يحكيها الكبار للأحفاد الذين لم يلمسوا تلك الحياة إلا عبر الحكايات. إن الخسارة ليست فردية فقط بل جماعية، لأنها قطعت شرايين التواصل بين شعبين تجمعهما أواصر أقوى بكثير من أي قرار رسمي أو خلاف سياسي.
والأدهى أن تلك الحدود المغلقة لا تمنع فقط الزيارات، بل تزرع نوعًا من المرارة والريبة، إذ ينشأ جيل جديد في المغرب لا يعرف الجزائر إلا عبر الأخبار، والعكس صحيح، بينما أجدادهم كانوا يعرفون بعضهم بالاسم والوجه والصوت. لقد أُفرغت الروابط من مضمونها الطبيعي، وحل محلها شعور غامض بالغياب والفراغ، فراغ يجعل الإنسان يسائل نفسه عن جدوى الحدود حين تتحول إلى جدار يفصل بين الإخوة. إن السياسة يمكن أن تخلق حدودًا فوق الخرائط، لكنها لا تستطيع أن تمحو الحنين من قلب أمٍ تتوق لرؤية ابنتها، أو دمعة أبٍ يذوب قهرًا لأنه لا يستطيع أن يحتضن ابنه.
في مناسبات الأعياد مثلاً، يتحول الفرح إلى حزن، لأن العائلة تظل منقوصة، والأطفال يكبرون وهم يرسلون تهاني العيد عبر الهاتف أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي بدل أن يتعانقوا في ساحة الدار الكبيرة كما كان يحدث قديمًا. وفي الجنائز، تتحول لحظة الوداع الأخيرة إلى جرح لا يندمل، إذ كم من ابنٍ أو أخٍ لم يتمكن من حضور الدفن بسبب الأسلاك الشائكة، فبقي حبيس الجانب الآخر، يذرف دموعه أمام أرض يراها لكنها محرمة عليه. أليس هذا انتهاكًا صريحًا للكرامة الإنسانية؟ أليس هذا عقابًا جماعيًا لشعوب لا ذنب لها سوى أنها وُلدت قرب خطٍ قرر الساسة أن يجعلوه جدارًا؟
لقد ظهرت مبادرات إنسانية وشعبية عديدة للمطالبة بفتح الحدود، من مثقفين وفنانين وسياسيين وحتى من منظمات مدنية، لكن الجدار ما زال صامدًا، يرمز إلى كل التناقضات والخصومات التي تراكمت على مر السنين. وبينما يمضي الوقت، يتعمق الشرخ، وتذبل العلاقات، وتكبر الأجيال وهي تحمل صورة مغلوطة عن الجار الذي كان يومًا أخًا وشريكًا في التاريخ والمصير. لكن مهما حاولت السياسة أن تفرض من عزلة، تبقى الحقيقة أن الدم لا يمكن أن يتحول إلى ماء، وأن الحنين لن يذوب، وأن لحظة الفتح ستأتي يومًا ما، ولو طال الانتظار.
إن قصص المعاناة على الحدود لا تُعد ولا تُحصى، يكفي أن تجلس مع أي أسرة من وجدة أو من تلمسان حتى تنهال عليك الحكايات. حكايات عن عروس بكت في ليلة زفافها لأن أعمامها لم يحضروا من الطرف الآخر، عن أمٍ قضت آخر أيام حياتها وهي تردد أسماء إخوتها الذين لم ترهم منذ عقود، عن شباب حلموا بالزواج من بنات عمومتهم لكن خط الحدود جعل الزواج مستحيلاً. هذه ليست مجرد حكايات عابرة، بل هي جروح ممتدة تعكس حجم الخسارة الإنسانية التي تسبب فيها إغلاق الحدود.
ورغم كل الألم، يظل الأمل حيًا، لأن الروابط العائلية والثقافية لا يمكن أن تُمحى بسهولة. إن الذين يرسلون الهدايا عبر وسطاء، أو يتحدثون بالساعات عبر الهاتف، أو يتبادلون الصور والفيديوهات، إنما يعبرون عن رفضهم للاستسلام، وعن تمسكهم بخيط من التواصل مهما كان هشًا. وربما يكون هذا الخيط هو الذي سيبقي شعلة الأمل متقدة إلى أن يحين اليوم الذي تُرفع فيه الأسلاك وتُفتح الأبواب، فيلتئم الشمل من جديد.
إن المأساة التي خلقتها الحدود المغربية الجزائرية ليست قضية عابرة يمكن تجاوزها بالنسيان، بل هي جرح مفتوح في جسد الأمة المغاربية كلها. فحين يُحرم الناس من أبسط حقوقهم الإنسانية، يصبح الحديث عن الوحدة والتكامل مجرد شعارات جوفاء. إن العائلة الممزقة بين المغرب والجزائر هي رمز لما تعانيه المنطقة كلها من تمزق وتشرذم، وإذا لم تُحل هذه المعضلة سيظل المستقبل مثقلًا بالخذلان. لكن إذا ما تم تجاوز الخلافات السياسية، وإذا ما أدرك الساسة أن مصالح الشعوب فوق كل اعتبار، فإن فتح الحدود لن يكون مجرد خطوة إدارية، بل سيكون حدثًا تاريخيًا يعيد الروح إلى ملايين القلوب، ويرمم جروحًا طال نزفها.
خاتمة
وفي الختام، لا بد أن نقر بأن المعاناة التي يعيشها الأهل والأحبة بسبب الحدود المغربية الجزائرية ليست مجرد شأن محلي، بل قضية إنسانية تعكس صراعًا بين منطق السياسة ومنطق الإنسانية. فالسياسة بنت جدارًا من الأسلاك، لكن الإنسانية تبني يوميًا جسورًا من الحنين والمودة. ولعل التاريخ يعلمنا أن الجدران مهما علت لا تدوم، وأن ما يبقى في النهاية هو الدم والقرابة والذكريات التي لا تمحوها القرارات. قد تطول رحلة الانتظار، وقد تزداد القلوب إنهاكًا، لكن يبقى الأمل في أن يأتي يومٌ تعود فيه الأمهات إلى احتضان أبنائهن بلا عوائق، ويعود فيه الإخوة إلى تبادل الأفراح والأحزان كما كانوا، وتعود المنطقة كلها إلى وعيها بأن الحدود يجب أن تكون جسورًا للتواصل لا جدرانًا للفصل. تلك هي الخاتمة التي يتمناها كل مغربي وكل جزائري يعرف معنى الفقد ومعنى الحنين، خاتمة تعيد للأسر حقها البسيط في اللقاء، وللأرض حقها في أن تكون فضاءً للوصل لا للفصل، وللشعوب حقها في أن تعيش كعائلة واحدة لا تفرّقها خطوط رسمت في لحظة خصام.