آخر المنشورات

لقجع يبدد أكثر من 2 مليار سنتيم.. وضحايا الحوز بلا مساعدات!

 لقجع والمؤثرون: أموال أكثر من 2 مليار سنتيم تُهدر بينما المواطن يعاني في ربوع المغرب


مقدمة 

في زمن تختلط فيه الأولويات وتضيع فيه البوصلة بين ما هو واجب وما هو ترف، يجد الإنسان نفسه أمام مشاهد صادمة تكاد لا تُصدق، لكنها واقعية بكل تفاصيلها. الحديث هنا عن مبادرة فُسرت على أنها دعائية أكثر منها وطنية، عندما تم جلب مؤثرين من أنحاء العالم لحضور مقابلة كروية عادية، في وقت يعيش فيه الوطن على وقع جروح لم تلتئم بعد من كارثة الزلزال الذي ضرب الحوز وخلّف وراءه مئات الضحايا وآلاف الأسر التي ما زالت تصارع البرد والفقر والحرمان. أن يُصرف أكثر من 2 مليار سنتيم على حفلة دعائية عابرة بينما هناك أسر تنام تحت الخيام منذ شهور، وأطفال لم يعد لهم بيت يقيهم قسوة الليل، وأرامل لم يجدن من يسندهن، فإن الأمر يتجاوز حدود اللامعقول ويدخل مباشرة في باب الاستفزاز لمشاعر شعب بأكمله ما زال ينتظر التضميد لا الترفيه. لقد قيل إن هؤلاء المؤثرين جاءوا من أجل الترويج لصورة المغرب الرياضية والسياحية، لكن ما الذي فعلوه حقيقة؟ لم يقدموا شيئًا سوى الأكل والشرب والتجول بحرية بين أحياء المدن والتمتع بخيرات بلد لا يزال جزء منه منكوبًا، بينما الإعلام الرسمي حاول أن يُغلف الأمر بغلاف النجاح والتسويق، والحقيقة أن المغاربة رأوا بأعينهم أن كل ذلك لم يكن سوى استعراض فارغ يفتقد إلى أي مضمون فعلي.

عرض

إن النقاش هنا يتجاوز مجرد مباراة كرة قدم أو دعوة عابرة لبعض الأجانب الذين يملكون حسابات يتابعها الملايين، بل هو نقاش عن أولويات دولة وعن معنى المسؤولية في زمن الأزمات. عندما تُصرف هذه المبالغ الخيالية على حدث عابر، فإننا نتحدث عن خيانة ضمنية للواجب الحقيقي الذي يفرض على القائمين على الشأن العام أن يوجهوا كل جهد وكل درهم نحو التخفيف من معاناة ضحايا الزلزال. أكثر من تسعة ملايين درهم كانت كفيلة بأن توفر دعما ماديا مباشرا لمئات الأسر، وبأن تساهم في إعادة إعمار مدارس مهدمة أو تجهيز مستوصفات طبية في قرى معزولة أو حتى بناء مساكن بسيطة تُعيد الدفء إلى أيتام تركوا في العراء. لكن للأسف، تغلبت الصورة الدعائية على الفعل العملي، وغلبت الرغبة في الظهور أمام الكاميرات على واجب الوقوف بجانب المنكوبين.

قد يقول قائل إن الاستثمار في الصورة السياحية للمغرب أمر ضروري، لكن هل يمكن أن يكون على حساب كرامة الضحايا؟ هل يجوز أن يتنقل مؤثرون عالميون بين شوارع المدن المغربية ويعرضون تفاصيل رحلاتهم الباذخة بينما هناك مغاربة فقدوا حتى القدرة على طهي وجبة ساخنة في بيوتهم؟ المشهد هنا يحمل تناقضا صارخا، إذ كيف يمكن لمواطن بسيط في جبال الحوز أن يفهم أن أكثر من 2 مليار سنتيم صُرفت على بضعة أيام من الاستعراض، بينما هو ينتظر منذ شهور دعما بسيطا يعيد له جزءا من حياته التي دمرها الزلزال؟ التناقض لا يقتصر على الجانب الأخلاقي فحسب، بل يمتد إلى الجانب السياسي الذي يفترض أن يضع الوطن فوق كل اعتبار. إن الحكمة السياسية تقتضي أن يُظهر القادة والمسؤولون تضامنهم العملي قبل الخطابي، وأن يمنحوا الأولوية للمناطق المنكوبة، لا أن يوجهوا الأموال نحو ترفيه عابر لا يغير شيئا من واقع السياحة ولا من صورة البلاد.

الواقع أن المؤثرين الذين تم استقدامهم لم يقدموا شيئا جديدا أو مختلفا، ولم يأتوا بخطاب مقنع ولا بإبداع خاص، وإنما مارسوا ما اعتادوا ممارسته في كل مكان يذهبون إليه: تناول الطعام، تصوير مقاطع قصيرة، نشر صور على إنستغرام وتيك توك، ثم العودة إلى بلدانهم. إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: ما القيمة الحقيقية التي جلبوها للمغرب مقابل هذا الإنفاق الخرافي؟ هل سيأتي ملايين السياح فجأة لأن أحد المؤثرين نشر صورة له وهو يتناول الكسكس أو الطاجين؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه زوبعة صغيرة في فنجان، سرعان ما ينساها الجميع بعد أسبوع؟ في المقابل، كان بالإمكان أن يُستثمر ذلك المبلغ في دعم مشاريع إنتاجية صغيرة في المناطق المتضررة، أو في إعادة إعمار دور الشباب والمكتبات المدرسية التي تهدمت. ذلك كان سيكون مؤثرا حقا، أكثر بكثير من حضور أسماء رقمية لا يعرفها معظم المغاربة أصلا.

لقد برهنت هذه الواقعة على أن هناك فجوة عميقة بين الشعب ومن يقرر باسمه، فجوة تظهر كلما تعلق الأمر بالمال العام وكيفية صرفه. المواطن العادي يرى أن حاجاته الأساسية ما زالت ناقصة، من صحة وتعليم وسكن كريم، بينما من يفترض أنهم حُماة المصلحة العامة يختارون أن يبددوا الأموال على الكاميرات والبهرجة. إن هذا الإحساس بالخذلان يضاعف شعور الناس بالظلم، ويجعلهم يفقدون الثقة في الخطابات الرسمية التي تتحدث عن التضامن وعن الأولويات الوطنية. لقد انتظر الناس أن يروا ترجمة عملية لشعارات المسؤولية والتكافل، لكنهم رأوا العكس تماما: رأوا البذخ في زمن الجراح.

ليس الغرض من هذا الكلام مهاجمة الرياضة أو التقليل من شأنها، فهي بلا شك عنصر مهم في بناء صورة بلد ما وفي رفع معنويات شعبه، لكن الإشكال يكمن في التوقيت وفي حجم الإنفاق. فما قيمة مباراة أو بطولة أو دعوة مؤثرين إذا لم تُراعَ الظروف الإنسانية التي يعيشها مواطنون فقدوا بيوتهم وأرزاقهم؟ إن تقديم صورة بلد متضامن مع نفسه ومع أبنائه أهم وأقوى بكثير من تقديم صورة بلد يستعرض الأضواء أمام الغرباء. بل إن تضامن المغاربة مع بعضهم البعض في لحظة الزلزال كان هو المشهد الأقوى والأكثر تأثيرا عالميا، وقد تناقلته وسائل الإعلام بكل إعجاب. أما ما حدث مؤخرا فلا يزيد عن مجرد فقاعات في فضاء رقمي سريع النسيان.


الأخطر من ذلك أن مثل هذه المبادرات تُرسخ لدى المواطن فكرة أن المال العام ليس سوى وسيلة لتلميع صور بعض المسؤولين على حساب المصلحة العامة. وهنا يصبح السؤال أكبر: هل نحن أمام دولة تعطي الأولوية للمظاهر على الجوهر؟ أم أمام مسؤولين لا يملكون حساسية كافية تجاه معاناة مواطنيهم؟ في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة: اتساع الفجوة بين الشعب والدولة، وتنامي الشعور بالغربة داخل الوطن نفسه. إن ثقة المواطن لا تُشترى بحملات دعائية، بل تُبنى على أساس من العدالة والتوزيع العادل للثروات والاستجابة للحاجات الحقيقية للناس.

قد يبرر البعض هذه الخطوة باعتبارها استثمارا في المستقبل السياحي والاقتصادي، لكن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الداخل، من الإنسان البسيط الذي يشكل العمود الفقري للمجتمع. حين يشعر هذا الإنسان بأن دولته تقف معه وتدافع عنه وتُحسن تدبير أزماته، سيكون هو أول من يسوق لصورة بلده بأمانة وصدق، لأنه لن يحتاج إلى مقابل أو إلى تمويل ضخم. أما حين يرى أن دولته تتركه لمصيره بينما تصرف الملايين على أجانب جاؤوا ليتمتعوا ثم يرحلوا، فإنه لن يكون قادرا على الدفاع عنها ولا على الإيمان بخطابها.

إن خاتمة هذا الحديث لا بد أن تعود إلى جوهر الموضوع: نحن أمام جرح مفتوح اسمه زلزال الحوز، جرح لم يلتئم بعد، ولا يحق لأي مسؤول أن يتجاهله أو يتعامل معه كأنه حادث عابر انتهى أثره. فهناك أرواح رحلت، وأسر تشتتت، وأطفال يكبرون اليوم في ظروف صعبة، وكل درهم من المال العام يجب أن يُوجه أولًا نحو هؤلاء، لا نحو متعة مؤثرين عابرين. إن الوطنية الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على حماية أبنائها والوقوف بجانبهم في محنهم، لا بعدد المشاهدات على منصات التواصل. وإذا كان هناك من يريد أن يسوق صورة المغرب، فإن أفضل صورة يمكن تسويقها هي صورة التضامن الداخلي والوفاء للضحايا. أما غير ذلك، فهو مجرد وهم عابر لا ينطلي إلا على من أراد أن يُصدق الكذب على حساب الحقيقة.

بهذا المعنى، فإن ما حدث ليس مجرد خطأ في التدبير، بل هو إشارة إلى أزمة عميقة في ترتيب الأولويات، أزمة تحتاج إلى مراجعة جذرية تُعيد الاعتبار للقيم الأساسية: الرحمة، التضامن، المسؤولية. وأي حديث آخر يظل بلا معنى، ما دام هناك طفل في جبال الحوز ينام على حصير بارد بينما أموال بلده تُصرف على رحلات مؤثرين لم يضيفوا شيئا سوى صور مؤقتة ستُنسى بعد ساعات قليلة.

وإذا أردنا أن نضع ما وقع في سياقه الأوسع، فإننا سنجد أن قضية تبذير المال العام في مناسبات عابرة ليست جديدة في المغرب، بل هي جزء من ثقافة سياسية وإدارية ترسخت منذ عقود، حيث يتم الخلط باستمرار بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وبين ما هو ضروري وما هو ترف، وبين ما يخدم الشعب وما يخدم صورة أشخاص بعينهم. إن حادثة استقدام المؤثرين ما هي إلا امتداد لسياسة لطالما أهدرت المليارات على مهرجانات موسيقية وبهرجات ترفيهية، في وقت ظل فيه المستشفى العمومي عاجزًا عن تقديم دواء أساسي لمريض فقير، وفي وقت ظلت فيه المدرسة العمومية تعاني من اكتظاظ الفصول وانعدام التجهيزات. هذه المفارقة تضعنا أمام حقيقة صارخة: هناك خلل عميق في إدارة الموارد، وهناك استهتار مستمر بآلام البسطاء لصالح تسويق صورة زائفة عن بلد يعيش في بحبوحة.

يكفي أن نستحضر مثلا ما يُصرف كل سنة على مهرجان موازين وحده، الذي تُقدَّر ميزانيته بعشرات المليارات من السنتيمات، بينما مدارس القرى ما زالت بلا نوافذ أو مراحيض، ومستوصفات صحية في البوادي بلا طبيب قار. أليس من الأجدر أن تُوجه تلك الأموال لتجهيز مستشفى الحوز أو بناء أقسام دراسية في القرى الجبلية بدل استقدام مغنيين عالميين أو مؤثرين لا علاقة لهم بحاجات الوطن؟ نفس المنطق ينطبق على استقدام هؤلاء المؤثرين لحضور مقابلة كروية، فهم مثل نجوم المهرجانات: يحضرون للحظة عابرة، يستمتعون، ثم يغادرون، بينما يبقى المواطن وحده في مواجهة همومه اليومية.

خاتمة

لقد أثبتت التجارب العالمية أن قوة الدول لا تُقاس بمدى قدرتها على استقدام أسماء براقة من الخارج، بل بمدى قدرتها على تلبية حاجات أبنائها من الداخل. حين يجد المواطن المغربي مدرسة عمومية تليق بأطفاله، ومستشفى مجهزا يحفظ كرامته، وطريقا سالكة توصله إلى قريته، فإنه سيصبح أكبر مدافع عن صورة بلده وأصدق مروج لها. أما حين يرى أن أموال بلده تُبدد على الغرباء بينما هو يعيش على الهامش، فإنه لن يجد ما يقوله سوى كلمات الغضب واليأس.

تعليقات