حكاية لاعب من ذهب انتهت بجراح وصمت
مقدمة
ولد العربي حبابي في مدينة خريبكة التي كانت آنذاك مدينة منجمية بامتياز، حيث يشكل الفوسفاط عصبها الاقتصادي والاجتماعي، وحيث كان أطفال الأحياء الشعبية يبحثون عن متنفس للهروب من ضيق العيش وصعوبة الحياة اليومية. وككل أبناء جيله، كانت كرة القدم هي المهرب الأول والوحيد تقريبًا، تُلعب في الأزقة الترابية وبين جدران المنازل المتداعية، بأحذية بالية أو أحيانًا حفاة، لكنها كانت تصنع حلمًا كبيرًا يتجاوز الواقع. في هذه البيئة ظهر حبابي منذ صغره لاعبًا مختلفًا، يتميز بلياقة طبيعية ومهارة لافتة جعلت بعض الجيران والأصدقاء يلتفتون إليه مبكرًا. كان شغفه بالكرة يطغى على أي شيء آخر، وحين انضم في سن المراهقة إلى فرق الأحياء المنظمة بشكل عفوي، بدأ اسمه يتردد أكثر فأكثر، إلى أن جاء اليوم الذي شاهده فيه أحد عشاق أولمبيك خريبكة المعروف باسم “با صالح”، فاقتنع أن هذا الفتى لا بد أن يجد مكانًا داخل مدرسة النادي. ومنذ تلك اللحظة، بدأت علاقة حبابي بأولمبيك خريبكة، النادي الذي سيصنع معه كل أمجاده وسيبقى مرتبطًا به إلى الأبد.
عرض
في بداية الثمانينيات، حين التحق بالفئات العمرية لأولمبيك خريبكة، لم يكن أحد يتوقع أن ذلك الفتى الذي جاء من أزقة بسيطة سيصبح في غضون سنوات قليلة أحد أبرز لاعبي جيله. فقد عرف بالانضباط والجدية في التدريبات، وكان لا يتغيب ولا يتذمر، بل كان يضاعف الجهد ليقنع المدربين بقدراته. وعندما جاء المدرب الأوكراني يوري سيباسيتيانكو سنة 1990 لقيادة الفريق الأول، لم يتردد في منحه فرصة الصعود إلى الكبار رغم أنه لم يتجاوز بعد الثالثة والعشرين من عمره. كانت تلك القفزة نقطة التحول الحقيقية في مساره، إذ وجد نفسه فجأة إلى جانب لاعبين كبار، مطالبًا بأن يثبت أنه ليس مجرد موهبة عابرة بل لاعب قادر على حمل قميص الفريق وتحمل مسؤوليته أمام الجماهير.
سرعان ما أثبت حبابي قيمته، فأداؤه كان متوازنًا يجمع بين القوة البدنية والروح القتالية وبين الحس التكتيكي والانضباط، فضلاً عن لمسات مهارية جعلت الجمهور الخريبكي يراه قائدا حقيقيا فوق الميدان. في مطلع التسعينيات، أصبح أحد أعمدة الفريق الأساسية، وساهم في نتائج مشرفة لأولمبيك خريبكة في الدوري المغربي وفي المشاركات القارية والعربية. لكن المحطة التي ستبقى خالدة في ذاكرة الجماهير كانت سنة 1996، عندما قاد الفريق للتتويج بأول لقب عربي في تاريخه: كأس العرب للأندية الفائزة بالكؤوس التي أقيمت في العاصمة الأردنية عمّان. يومها قدم أداء بطوليا، وكان قلب الفريق النابض، حتى أنه نال جائزة أفضل لاعب عربي في البطولة، وهو اعتراف بمستواه الكبير على الصعيد القاري وليس المحلي فقط. هذا اللقب لم يكن مجرد كأس، بل كان لحظة تاريخية لأبناء خريبكة الذين شعروا أن مدينتهم المنسية والمهمشة قد ارتقت إلى مصاف المجد بفضل أقدام لاعبين مخلصين أبرزهم العربي حبابي.
هذا التألق مع النادي لم يمر مرور الكرام على أعين مدربي المنتخب الوطني المغربي. ففي سنة 1994، وجد حبابي نفسه ضمن القائمة التي ستسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للمشاركة في كأس العالم. كان ذلك شرفًا عظيمًا، أن يقف لاعب قادم من أحياء خريبكة ليمثل بلاده في أكبر محفل كروي عالمي. ورغم أن المنتخب لم يتجاوز الدور الأول، إلا أن مجرد المشاركة كانت إنجازًا، وحبابي لعب بروح عالية مدافعًا عن الألوان الوطنية. بعد ذلك، واصل حضوره في المنتخب خلال تصفيات كأس إفريقيا 1996 بجنوب إفريقيا، ثم في تصفيات كأس العالم 1998، حيث كان أحد الأسماء المعتمدة لدى المدرب هنري ميشيل. وبحسب شهادات متعددة، فقد خاض عشرات المباريات الدولية، وقدّر بنفسه أنه ارتدى قميص المنتخب في حوالي سبعين مواجهة، رغم أن السجلات الرسمية تثبت رقما أقل يقارب السبع والعشرين مباراة. لكن الأكيد أنه كان لاعبًا دائم الحضور وذا قيمة في تشكيلات الأسود.
في تلك الفترة، بدأت بعض الأندية الأوروبية تضع أعينها عليه. وصلت عروض من فرنسا وبلجيكا، وكان يمكن أن يفتح ذلك أمامه باب الاحتراف الكبير الذي كان آنذاك نادرًا بالنسبة للاعبين المغاربة. لكن إدارة أولمبيك خريبكة، إما بسبب قلة خبرة أو بسبب عقلية محافظة، لم تتجاوب مع تلك العروض بل تجاهلتها تمامًا، لتضيع على اللاعب فرصة قد كانت ستغير مساره المهني وحياته برمتها. رغم ذلك، تمكن لاحقًا من خوض تجربة احترافية قصيرة مع النجم الساحلي التونسي، غير أن تلك التجربة لم تستمر طويلا بسبب لعنة الإصابة التي ستبدأ في ملاحقته وتغير مساره تدريجيا.
الإصابة التي تعرض لها لم تكن عابرة. لقد جاءت في فترة حساسة وهو في أوج عطائه، قبيل مونديال فرنسا 1998. كانت إصابة قوية في الركبة، جعلت أداءه يتراجع تدريجيًا وفقد بريقه الذي عرف به. لم يحظَ بالعناية الطبية الكافية ولم تتوفر له ظروف العلاج والتأهيل كما هو الحال في الأندية الأوروبية، فصار الألم يتجدد كلما عاد للملعب. هذه الإصابة هي التي أجبرته في النهاية على التوقف عن ممارسة كرة القدم بشكل احترافي، رغم أن سنوات العطاء لم تكن قد انتهت بعد. لقد شعر بأن جسده يخونه بينما روحه ما زالت متعطشة للمنافسة، وكانت تلك أقسى لحظة في مساره.
حين أعلن اعتزاله نهاية التسعينيات، كان كثيرون يعتقدون أن لاعبًا بقيمته سيجد مكانًا في محيط كرة القدم، إما في الإدارة أو في التدريب أو على الأقل في إطار تكريمي يحفظ له مكانته. لكن الواقع كان عكس ذلك تمامًا. فقد طوى أولمبيك خريبكة صفحته سريعًا ولم يمنحه أي وظيفة أو فرصة للتكوين الجدي، رغم أنه حصل على دبلوم يؤهله لمزاولة التدريب. كما أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لم تلتفت إليه ولم توفر له أي دعم مادي أو معنوي، فوجد نفسه وحيدًا خارج الأضواء بعد أن كان اسمه يصدح في الملاعب. ومع مرور السنوات، ازدادت القسوة حين اضطر حبابي للبحث عن قوت يومه في مهن بعيدة كل البعد عن كرة القدم، فاشتغل في سوق سيدي مومن بالدار البيضاء ميكانيكيًا في محل بسيط. هكذا، انتقل من ملاعب المونديال إلى أسواق الهامش، في مشهد يجسد قسوة كرة القدم المغربية على نجومها حين تنتهي صلاحيتهم في نظر المؤسسات.
كان يقول بمرارة في حواراته القليلة: لم أستفد من الكرة سوى محبة الناس، أما الماديات والامتيازات التي حظي بها آخرون أقل عطاءً فلم أحصل منها على شيء. كان يشعر أن المحاباة والعلاقات هي التي تحدد المصائر، وأنه دفع ثمن صدقه وتفانيه. ومع ذلك، لم ينكر أبدًا محبة الجماهير له، تلك المحبة التي ظلت تلاحقه في الشارع وفي لقاءاته النادرة مع أبناء خريبكة. وقد حاولت بعض الجمعيات الرياضية والجماهيرية إنصافه عبر تنظيم تكريمات رمزية، كما حدث سنة 2017 حين أقيمت له مباراة تكريمية بمشاركة نجوم سابقين، وكما حدث في سنوات لاحقة عندما استدعته بعض الفعاليات لتكريمه ضمن الجيل الذهبي للأولمبيك. لكن هذه الالتفاتات ظلت متأخرة وناقصة، لأنها لم تغير وضعه المعيشي ولم تمنحه المكانة التي يستحقها كلاعب دولي سابق.
إن قصة العربي حبابي ليست مجرد سيرة لاعب موهوب انتهت إصابته إلى الاعتزال، بل هي مرآة لواقع كرة القدم المغربية في تلك المرحلة، حيث غياب البنية التحتية الطبية، وغياب سياسة مهنية لحماية مستقبل اللاعبين بعد الاعتزال، ووجود علاقات الزبونية والمحسوبية التي تحدد من ينجح ومن يُقصى. لقد كان بإمكانه أن يعيش حياة كريمة بعد كل ما قدمه لبلده ولناديه، لكنه وجد نفسه مهمشًا، يعمل بيديه في مهن شاقة ليعيل أسرته، بينما يتابع بألم كيف ينال لاعبون آخرون امتيازات ضخمة دون أن يكونوا قد بلغوا مستواه أو مثلوا المغرب في كأس العالم. ومع ذلك، ظل وفيًا للمبادئ التي نشأ عليها، وظل محتفظًا بكرامته، يرفض أن يمد يده أو يستجدي. كان يقول دائمًا إن أكبر ثروة يملكها هي احترام الناس ومحبتهم، وهذا ما بقي له رغم كل شيء.
خاتمة
اليوم، حين يُذكر اسم العربي حبابي في خريبكة أو في ذاكرة جيل التسعينيات، فإن الحنين يطفو والاعتزاز يتجدد، لأنه كان رمزًا للتضحية وللاعب الذي لم يخن القميص ولم يتاجر بمكانته. نهايته المرة لا تُلغي بدايته المضيئة، بل تعطيها بعدًا إنسانيًا عميقًا يجعل سيرته أقرب إلى حكاية بطل شعبي عاش المجد وعرف الانكسار، لكنه ظل صامدًا ومخلصًا لقيمه حتى بعد أن أدار له الزمن ظهره. وربما هذا ما يجعل قصته أكثر تأثيرًا: أنها ليست فقط قصة لاعب كرة، بل قصة إنسان يختصر في مساره تناقضات الرياضة المغربية بين لحظات التألق وسنوات التهميش.
رسالة خاصة من صديق الطفولة
وفي نهاية هذا السرد الطويل الذي حاول أن يعيد بعضًا من تفاصيل مسيرتك يا عربي، لا يسعني إلا أن أكتب لك من القلب إلى القلب، بصدق الصداقة التي جمعتنا منذ الطفولة. أنا ذاك الصديق الذي عرفك صغيرًا في أزقة حي النهضة بخريبكة، نركض خلف كرة بسيطة، نتقاسم الخبز والضحكة والأحلام البريئة، ثم رأيتك تكبر وتصبح نجمًا يحمل اسمنا جميعًا إلى ملاعب العالم. واليوم، رغم أن السنين مضت وتغيرت الملامح والطرق، فإنك لم تتغير في عيني أبدًا؛ ما زلت العربي الصادق، الإنسان النقي، والصديق الوفي الذي لم تغرّه الأضواء ولم تكسره خيبات الزمن. فلتأخذ مني هذه الكلمات عربون وفاء واعتزاز، ولتعلم أن هناك دائمًا من يتذكرك بحب وفخر، وأن ذكراك لا تموت مهما حاول النسيان أن يطويها.
صديقك ورفيق طفولتك المخلص: تونسعدي المعطي.