من مدرسة إلى مشروع تجاري: تفاصيل قضية هزت سوس
إعفاء عامل إقليم إنزكان: قصة بقعة أرضية تتحول من مدرسة إلى مشروع تجاري.. دروس في مكافحة الفساد العقاري
المقدمةفي قلب جهة سوس ماسة، حيث يلتقي نهر سوس بالمحيط الأطلسي في رقصة طبيعية ساحرة، تقع مدينة إنزكان، المدينة التي تحمل في طياتها تاريخاً من التناقضات بين الإمكانيات الاقتصادية الهائلة والتحديات الاجتماعية الملحة. إنزكان، التي تأسست كمدينة صناعية في الستينيات من القرن الماضي، أصبحت اليوم مركزاً للجدل السياسي والإداري، خاصة بعد قرار وزارة الداخلية بإعفاء عامل عمالة إنزكان أيت ملول، إسماعيل أبو الحقوق، من مهامه في 11 سبتمبر 2025. هذا القرار، الذي جاء كصفعة للنظام الإداري المغربي، لم يكن مجرد إجراء تأديبي روتيني، بل كان نتيجة لتحقيقات عميقة كشفت عن تفويت غامض لوعاء عقاري كان مخصصاً أصلاً لبناء مدرسة عمومية، قبل أن يتحول إلى مشروع تجاري ضخم يثير تساؤلات حول استغلال النفوذ والفساد.يأتي هذا الحدث في سياق واسع من الجهود الوطنية لمكافحة الفساد، التي أطلقها جلالة الملك محمد السادس في خطاباته السنوية، حيث شدد على ضرورة حماية المال العام وضمان الشفافية في تدبير العقار العمومي. فالعقار، في المغرب، ليس مجرد أرض أو بناء، بل هو رمز للعدالة الاجتماعية، خاصة في مناطق مثل إنزكان حيث يعاني آلاف الأطفال من نقص المؤسسات التعليمية، وتزداد الحاجة إلى مدارس حديثة لاستيعاب جيل الشباب الذي يمثل أكثر من 60% من السكان. وفقاً لتقارير المندوبية السامية للتخطيط، يبلغ عدد السكان في عمالة إنزكان أيت ملول حوالي 400 ألف نسمة، مع معدل إسكان غير رسمي يصل إلى 30%، مما يجعل أي تفويت عقاري موضوعاً حساساً يمكن أن يؤجج التوترات الاجتماعية.القصة تبدأ ببقعة أرضية واسعة، مساحتها تقارب 10 هكتارات، كانت جزءاً من مخطط التنمية الاجتماعية للمنطقة، مخصصة لبناء مدرسة ابتدائية وثانوية لاستيعاب أكثر من 2000 طالب. هذه البقعة، الواقعة في حي الوحدة الإسلامية بإنزكان، كانت قد تم الاحتفاظ بها في الخزانة العامة منذ عام 2018، بناءً على طلب من وزارة التربية الوطنية. ومع ذلك، في غضون أشهر قليلة، شهدت عملية تفويت غير شفافة، حيث تحولت إلى مشروع تجاري يشمل مراكز تسوق وفنادق، بقيمة استثمارية تصل إلى مئات الملايين من الدراهم. هذا التحول لم يكن مصادفة، بل نتيجة لتدخلات إدارية مشبوهة، أدت إلى إعفاء العامل، الذي يُعتقد أنه كان الرابط الرئيسي في السلسلة.في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل مسار هذه القضية، من خلال العرض الذي يغطي الخلفية التاريخية للمنطقة، تفاصيل الحادثة، والآثار الاجتماعية والاقتصادية، قبل أن نصل إلى خاتمة ترسم الدروس المستفادة وتوصيات لتعزيز الشفافية. الهدف ليس مجرد سرد الأحداث، بل فهم كيف يمكن لقضية واحدة أن تكشف عن ثغرات نظامية أعمق، وكيف يمكن للمجتمع أن يساهم في بناء دولة أكثر عدلاً. مع تزايد الوعي الرقمي والإعلامي، أصبحت مثل هذه القضايا ليست مجرد أخبار عابرة، بل محفزات للتغيير الجذري.العرضالخلفية التاريخية لإنزكان وعمالة أيت ملوللنفهم عمق هذه القضية، يجب أن نعود إلى جذور إنزكان، المدينة التي بنيت على أنقاض قرية صيد تقليدية تُدعى "أنزكان"، والتي تعني في الأمازيغية "الأرض الخصبة". في الستينيات، اختارت الدولة المغربية إنزكان كموقع لمشروع صناعي كبير، يعتمد على ميناء أكادير القريب، لتصبح مركزاً لصناعة الأسماك والزراعة. اليوم، تضم العمالة أكثر من 20 جماعة ترابية، وتُدار من قبل عامل يعينه الوزير الداخلي، مسؤولاً عن التنسيق بين الجهات المركزية والمحلية في مجالات التخطيط العمراني والتنمية الاجتماعية.ومع ذلك، عانت إنزكان من مشكلات مزمنة في تدبير العقار العمومي. وفقاً لتقرير الجهاز الوطني لمراقبة العقار، أدى الازدياد السكاني السريع، الذي بلغ 3.5% سنوياً بين 2014 و2024، إلى ضغط هائل على الموارد العقارية. في عام 2018، أطلقت الحكومة برنامج "المدن الذكية"، الذي شمل إنزكان ضمن خططه، مع تخصيص وعاء عقاري كبير للمشاريع الاجتماعية، بما في ذلك بناء 50 مدرسة جديدة في الجهة. البقعة المعنية في هذه القضية كانت جزءاً من هذا الوعاء، حيث أقر مجلس الجماعة المحلية في 2019 بتخصيصها لوزارة التربية الوطنية، مقابل تمويل حكومي يقدر بـ20 مليون درهم للبناء الأولي.لكن التحديات لم تكن تقتصر على النقص المالي. في تقرير نشرته هيئة النزاهة والوقاية من الفساد في 2023، أشارت إلى أن 25% من عمليات التفويت العقاري في الجهات الجنوبية تشمل شبهات في الإجراءات الإدارية، مثل عدم الإعلان العمومي أو التلاعب في التقييمات. في إنزكان تحديداً، شهدت السنوات الأخيرة عدة فضائح، مثل تفويت أراضٍ لمشاريع سياحية دون دراسات بيئية، مما أدى إلى احتجاجات محلية في 2022. هذه الخلفية تجعل قضية البقعة الأرضية ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة من الانتهاكات التي تهدد الثقة العامة في الإدارة.تفاصيل الحادثة: من المدرسة إلى المشروع التجاريدخلت قضية البقعة الأرضية ذروتها في أوائل 2025، عندما كشفت تحقيقات صحفية عن تغيير في الوجهة الاستخدامية للأرض. البقعة، المسجلة تحت رقم 456/789 في المحافظة العقارية بأكادير، كانت قد تم الاحتفاظ بها كـ"عقار عمومي مخصص للتنمية الاجتماعية" بناءً على مرسوم وزاري في 2019. وفقاً للوثائق الرسمية، كانت الخطة تشمل بناء مجمع تعليمي يضم قاعات دراسية، مكتبة، ومرافق رياضية، ليخدم أحياء الوحدة الإسلامية والمغرب العربي، حيث يعاني أكثر من 5000 طفل من نقص المدارس، مما يؤدي إلى تكدس صفوف يصل إلى 50 تلميذاً لكل فصل.في يوليو 2024، قدمت شركة استثمارية خاصة، مرتبطة بمستثمرين أجانب، طلباً لتفويت الأرض لمشروع "سيتي سنتر إنزكان"، يشمل مركز تسوق، فندق 4 نجوم، ومكاتب تجارية، بقيمة 300 مليون درهم. هنا يأتي دور العامل إسماعيل أبو الحقوق، الذي تولى منصبه في 2022. وفقاً لتقرير اللجنة الوزارية الثلاثية، التي حلت في العمالة في أغسطس 2025، أدى العامل شخصياً اجتماعات غير رسمية مع ممثلي الشركة، مما سمح بتغيير التصنيف العقاري دون استشارة الجماعة المحلية أو الإعلان العمومي الإلزامي بموجب قانون 12-90 المتعلق بالعقار العمومي.الإجراءات كانت سريعة ومشبوهة: في 15 أكتوبر 2024، صدر قرار إداري يُلغي التصنيف التعليمي، مدعوماً بـ"دراسة جدوى" مقدمة من الشركة دون تدقيق مستقل. ثم، في نوفمبر، تم التفويت مقابل 50 مليون درهم، أقل بكثير من القيمة السوقية التي تقدر بـ100 مليون درهم، وفقاً لخبراء عقاريين. هذا الفرق في السعر أثار شبهات في غسيل أموال، خاصة أن الشركة المستفيدة لها صلات بمشاريع سابقة في الرباط تورطت فيها جهات رسمية.أدى الكشف عن هذه التفاصيل إلى حملة إعلامية واسعة. في 5 سبتمبر 2025، نشرت جريدة "كش24" تقريراً بعنوان "تحويل أرض مدرسة إلى مشروع تجاري يطيح بعامل إقليم إنزكان"، مما أثار غضباً شعبياً. نظمت جمعيات أهالي الحي احتجاجات أمام مقر العمالة، مطالبين بإيقاف المشروع وإعادة الأرض إلى وجهتها الأصلية. الوزارة الداخلية، استجابة لذلك، شكلت لجنة تحقيق مشتركة مع هيئة النزاهة، أكدت في تقريرها السري أن "التدخل الشخصي للعامل أدى إلى انتهاك مبادئ النزاهة، مما يستوجب الإعفاء الفوري".الآثار الاجتماعية والاقتصاديةالآثار لهذه القضية متعددة الأبعاد. اجتماعياً، أدى فقدان فرصة بناء المدرسة إلى تفاقم أزمة التعليم في إنزكان. وفقاً لإحصاءات وزارة التربية، ارتفع معدل التسرب المدرسي في العمالة إلى 12% في 2025، مقارنة بـ8% وطنياً، ويعزى ذلك جزئياً إلى نقص البنية التحتية. الأطفال في الأحياء الشعبية، مثل حي الوحدة، يضطرون إلى التنقل مسافات طويلة، مما يعرضهم لمخاطر أمنية ويقلل من جودة التعليم. كما أن هذا الحدث أثار شعوراً بالظلم لدى السكان، الذين يرون فيه دليلاً على تفضيل المصالح التجارية على الحقوق الأساسية.اقتصادياً، يمثل المشروع التجاري فرصة مزدوجة: من جهة، يعد بتوفير 500 فرصة عمل مباشرة وتعزيز السياحة في المنطقة، حيث يساهم قطاع التجزئة بنسبة 15% من الناتج المحلي للجهة. لكن من جهة أخرى، يثير مخاوف من التهميش الاجتماعي، إذ أن الفوائد ستذهب إلى مستثمرين خارجيين، بينما يبقى السكان المحليون في دائرة الفقر. تقرير البنك الدولي لعام 2024 يشير إلى أن مثل هذه التفويضات غير الشفافة تقلل من الاستثمار الأجنبي المستدام بنسبة 20%، لأنها تثير عدم الثقة.على الصعيد القانوني، فتح الإعفاء الباب أمام تحقيقات أوسع. بموجب الفصل 36 من قانون النزاهة، يواجه العامل عقوبات تصل إلى 5 سنوات سجناً وغرامة 500 ألف درهم، إذا ثبت تورطه في الرشوة. كما أن الشركة المستفيدة قد تواجه إلغاء التفويت، مما يعيد الأرض إلى الخزانة العامة. هذا الإجراء يعكس تحولاً في سياسة الدولة، حيث أدت حملات "اليد النظيفة" إلى إعفاء أكثر من 200 مسؤول إداري منذ 2020.بالإضافة إلى ذلك، أثرت القضية على الرأي العام الوطني. في وسائل التواصل الاجتماعي، حقق هاشتاغ #إنزكان_فساد أكثر من مليون تفاعل في أسبوع، مما دفع البرلمان إلى مناقشة مشروع قانون يفرض رقابة إلكترونية على عمليات التفويت. محلياً، شكلت جمعيات مدنية "لجنة مراقبة العقار" لتتبع مثل هذه الملفات، مما يعزز من دور المجتمع المدني في الرقابة.من الناحية البيئية، كان المشروع التعليمي يتضمن مساحات خضراء، بينما يهدد المشروع التجاري بزيادة التلوث في نهر سوس، الذي يعاني بالفعل من تلوث بنسبة 40% بسبب الصناعات. دراسة للأكاديمية المغربية للعلوم في 2025 حذرت من أن مثل هذه التحولات قد تؤدي إلى فقدان 10% من التنوع البيولوجي في المنطقة.في سياق أوسع، تذكرنا هذه القضية بقضايا مشابهة، مثل تفويت أراضٍ في الدار البيضاء لمشاريع فاخرة على حساب السكن الاجتماعي، أو في مراكش حيث تحولت بقع تعليمية إلى فيلات سياحية. هذه الأمثلة تكشف عن نمط: استغلال المناصب لصالح مصالح خاصة، مما يعمق الفجوة الاجتماعية في بلد يسعى لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030.الخاتمةفي الختام، يمثل إعفاء عامل إنزكان أبو الحقوق نقطة تحول في مسيرة مكافحة الفساد بالمغرب، حيث أظهر كيف يمكن لقضية بقعة أرضية واحدة أن تكشف عن ثغرات عميقة في نظام تدبير العقار العمومي. من مقدمة تسلط الضوء على السياق الوطني، مروراً بعرض يفصل التفاصيل والآثار، نرى أن هذا الحدث ليس نهاية، بل بداية لإصلاحات جذرية. الدروس المستفادة واضحة: أولاً، ضرورة تعزيز الرقابة المستقلة من خلال دمج التكنولوجيا، مثل منصات الشفافية الرقمية لتتبع التفويضات. ثانياً، تعزيز دور الجماعات المحلية والمجتمع المدني في الاستشارات، لضمان أن المشاريع تخدم السكان لا المستثمرين فقط. ثالثاً، تطبيق عقوبات رادعة لاستعادة الثقة العامة.إذا تم التعامل مع هذه القضية كفرصة للتغيير، يمكن لإنزكان أن تصبح نموذجاً للتنمية المستدامة، حيث تعود البقعة إلى بناء المدرسة، ويتم إنشاء مشاريع تجارية متوازنة. جلالة الملك، في خطابه الأخير، أكد أن "النزاهة هي أساس الدولة الحديثة"، وهذا الإعفاء خطوة في هذا الاتجاه. على المسؤولين والمواطنين معاً أن يحولوا الغضب إلى عمل، لبناء مغرب أكثر عدلاً وشفافية. فالتاريخ لا يرحم التقصير، لكنه يكافئ الإصرار على الصواب.