بين صمت المستشفيات وصراخ الواقع: رحلة الطبيب المغربي
المقدمة
في أروقة المستشفيات المغربية التي يعلو جدرانها صمت حزين، وفي الممرات الطويلة التي تكسوها رائحة المطهّرات الممزوجة بأنين المرضى، يقف الطبيب والممرض كمن يحارب بيدين عاريتين في معركة لا سلاح فيها سوى إيمانه بواجبه وإنسانيته. لا شيء أشد مرارة من أن ترى مريضًا بين الحياة والموت وأنت تعلم أن إنقاذه ممكن، ولكن الدولة التي يفترض أن تضع في يديك ما تحتاجه قد تركتك مكبلًا بالعجز. هناك حيث يتقاطع الطب مع الغربة داخل الوطن، وحيث يتحول القسم الذي ردده الطبيب يوم تخرّجه إلى عبء ثقيل، يبدأ حوار داخلي طويل بين الواجب والألم، بين الشرف والخيانة، بين من يزرع حياته في سبيل إنقاذ الأرواح، ومن يبدّد المال العام في مؤتمرات تافهة وصفقات مريبة.
العرض
أطباء المغرب اليوم ليسوا مجرد مهنيين، إنهم محاربون في جبهة غير متكافئة، فبينما المعايير العالمية تتحدث عن ثلاثة عشر طبيبًا لكل عشرة آلاف نسمة، بالكاد تجد في المغرب سبعة. والسبعة هؤلاء لا يقفون على أرض مستقرة، بل كثير منهم يحزم حقائبه ويرحل إلى فرنسا أو كندا أو الخليج، حيث يجد تقديرًا واحترامًا وراتبًا يليق بسنوات تعبه الطويلة. كل عام يغادرنا ستمئة أو سبعمئة طبيب جديد، شباب في ريعان العمر، كانت الدولة قد أنفقت على تكوينهم ملايين الدراهم، لكنهم يرحلون لأنهم لم يجدوا سوى الإهانة والإهمال. هكذا ينزف الجسد المغربي من الداخل، دماؤه تسيل نحو الخارج، فيما يبقى في الداخل فراغ يملؤه الموت والخيبة.
في غرفة الإنعاش، حيث تتسابق الثواني مع أنفاس مريض متقطع، يقف الطبيب يراقب جهاز الأوكسجين، يضع يده على قلبه وهو يعلم أن القنينة أوشكت أن تفرغ، لا بديل في المخزن ولا سيارات إسعاف تحمل المزيد. والممرض بجواره ينظر إلى الساعة وكأنها سيف يقطع أرواح الناس بلا رحمة. ينقطع التيار الكهربائي، يتوقف جهاز التنفس، تنطلق صفارة الإنذار، تتسارع الأيدي في محاولة يائسة لإنقاذ المريض، لكن لا حياة لمن تنادي. بعد دقائق يسود صمت ثقيل، ينهار جسد المريض، ويعلو في القلوب سؤال لئيم: أهذا موت طبيعي أم جريمة مكتملة الأركان ارتكبتها الدولة حين لم توفر كهرباء احتياطية ولا أنابيب أوكسجين؟ الطبيب يمسح عرقه، والممرض يشيح بوجهه كي لا يرى دموع زوجة تنتحب، ثم يخرجان محملين بجرح جديد يضاف إلى جروح كثيرة تراكمت حتى أثقلت الروح.
هذه ليست حادثة نادرة، بل هي يوميات، هي المشهد المتكرر في مستشفيات المغرب. كثير من البنايات الجديدة بقيت أبوابها مغلقة بعد أن قطع المسؤولون شريط الافتتاح أمام عدسات الكاميرات، ثم تركوها تذبل مثل وردة بلا ماء. وفي الجبال والقرى، تبقى المستشفيات حلمًا بعيدًا، والنساء يلدن في الطرقات أو في بيوت طينية دون قابلة ولا مصل، والأطفال يموتون قبل أن يبلغوا الخامسة لأن اللقاح لم يصل أو لأن سيارة الإسعاف لم تجد طريقًا. بينما في البرلمان، يتجادل النواب حول امتيازاتهم ويستعرضون خطبهم، نصفهم في السجون بتهم الاختلاس والسرقة، والنصف الآخر ينتظر دوره في فضيحة جديدة.
الطبيب والممرض في المغرب لا يحزن فقط على موت المرضى، بل يحزن على كرامته التي تسحقها الدولة كل يوم. راتب لا يكفي حتى للحد الأدنى من الحياة الكريمة، ساعات عمل مرهقة تمتد حتى الفجر، تهديدات واعتداءات من بعض أسر المرضى الذين يرون فيه الجلاد لا الضحية، وفي النهاية مجتمع ينظر إليه وكأنه مقصّر، بينما الحقيقة أنه كان آخر جدار يقف أمام انهيار حياة إنسان. أي ظلم أشد من هذا؟ أن تكون ضحية وتُتهم في الوقت نفسه. أن تبذل روحك ولا تجد من يحميك ولا من يشكرك.
لكن رغم ذلك، هناك في العتمة شعلة صغيرة لا تنطفئ. بعض الأطباء والممرضين يصرّون على البقاء، يقاومون الإغراءات ويثبتون أقدامهم في أرضهم، لأنهم يؤمنون أن الوطن يحتاج إليهم. منهم من يسهر الليالي في أقسام المستعجلات، ومنهم من يقطع عشرات الكيلومترات على الطرق الوعرة ليصل إلى قرية نائية، ومنهم من يشتري من ماله الخاص دواء لمريض فقير لا يملك ثمنه. هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون، الذين لا يظهرون على شاشات التلفاز، ولا يذكرهم السياسيون في خطبهم، لكنهم يعيشون في قلوب الناس مثل صلاة سرية لا تنقطع.
لقد حُرم المغرب من طاقات هائلة بسبب هذه السياسة العمياء، لكن ما زال هناك أمل إن قررنا أن نستفيق من غفلتنا. لو استطعنا أن نوفر لهم ظروفًا إنسانية، وأن نضع حدًا لسرقات المال العام، وأن نستثمر حقًا في الصحة كما نستثمر في المهرجانات، سنخرج من رحم هذه الأزمة آلاف الأطباء الشرفاء على خطى الدكتور يوسف العزوزي الذي أصبح نموذجًا عالميًا. يوسف لم يولد في بلد غني، بل في هذا الوطن المرهق، لكنه امتلك فرصة وظروفًا جعلته يتألق. فما الذي يمنع أن يتكرر المثال لو رفعنا عن كاهل الأطباء قيود الظلم والتهميش؟
إن الحديث عن الصحة في المغرب ليس رفاهية ولا قضية قطاع محدود، بل هو مرآة تعكس قيمة الإنسان عند دولته. حين ترى أن المواطن يموت بسبب انقطاع الأوكسجين أو غياب ممرض، فاعلم أن الوطن مريض أكثر من مريضه. وحين ترى الأطباء يهاجرون جماعات إلى الخارج، فاعلم أن الجرح ليس في الكفاءات، بل في السياسات التي تدفعهم دفعًا إلى الرحيل. وحين تسمع عن مستشفى جديد أغلق بعد الافتتاح، فاعلم أن الفساد أقوى من الإنسانية، وأن الأمل يختنق خلف الأبواب الحديدية.
أيها الطبيب المغربي، يا من وقفت أمام سرير مريض ورأيت الحياة تتسرب منه كما يتسرب الماء من كف مفتوحة، لا تظن أن تضحيتك ذهبت سدى. ربما لم تنقذ كل الأرواح، لكنك حفظت للإنسانية وجهها. يا أيها الممرض الذي أرهقته الليالي الطويلة، لا تحزن إن لم يذكرك الإعلام، فالله يعلم دمعتك الخفية وابتسامتك المرهقة. وربما يأتي يوم ينكسر فيه جدار الفساد ويعلو فيه صوت الحق، حينها ستعرف البلاد أن رجال الصحة كانوا هم الجنود الذين حاربوا في صمت.
وربما لو أردنا أن نكون محايدين أكثر، فعلينا أن نعترف أن الأزمة ليست كلها خطيئة أطباء يهاجرون ولا دولة فاسدة فقط، بل هي شبكة معقدة من التناقضات التي تتشابك خيوطها منذ عقود. المغرب بلد أنفق على تعليم آلاف الأطباء، لكنه لم يستطع أن يمنحهم البيئة التي تجعلهم يزهرون هنا، فاختاروا الرحيل. والمجتمع من جهته لم ينظر إليهم دائمًا بعين الاحترام، بل كثيرًا ما حمّلهم مسؤولية موت أحبته، وكأن الطبيب كان يملك عصا سحرية ورفض أن يستخدمها. هذا التراكم من الإحباط جعل العلاقة بين المريض ومن يعالجه علاقة مهزوزة، يطبعها الحذر والريبة والشك أكثر مما يطبعها الثقة والامتنان.
ومع ذلك، من يسير في ردهات المستشفيات يدرك أن الحقيقة أعقد من صورة ملائكية للأطباء أو شيطانية للمسؤولين، هي خليط من الجهد المخلص من جانب، والإهمال المتعمد من جانب آخر، وبينهما ضحايا يزداد عددهم كل يوم. الطبيب قد يخطئ أحيانًا، والممرض قد ينهار تحت الضغط ويقسو في لحظة غضب، لكن الخطأ الفردي لا يقارن بالجرح الهيكلي الذي يسببه نظام صحي مهترئ. وحين نقول نظامًا صحيًا مهترئًا، فإننا نعني غياب رؤية متكاملة: نقص في الموارد البشرية، فساد مالي، لامبالاة في التخطيط، وتوزيع غير عادل للمراكز الاستشفائية بين المدن الكبرى والمناطق النائية.
تأمل مشهدًا بسيطًا في بلدة جبلية صغيرة: امرأة حامل تُنقل على عربة تجرها دابة لأن سيارة الإسعاف لم تصل. المسافة إلى أقرب مستشفى تفوق خمسين كيلومترًا، والطرق وعرة والليل دامس. تصل المرأة منهكة، الطبيب الوحيد في المداومة مرهق بعد ثلاثين ساعة من العمل، المولدات الكهربائية توقفت منذ ساعات، والأجهزة صامتة. في تلك اللحظة، يصبح الطب مجرد مهارة أولية، يصبح الاعتماد على خبرة الممرضات والصدفة. ربما تلد المرأة بسلام، وربما تفقد حياتها وحياة جنينها. وبينما يحدث هذا، هناك مستشفيات حديثة البناء في مدن أخرى مغلقة، تنتظر قرارًا إداريًا أو ميزانية تشغيلية لم تُصرف بعد. هنا تكمن المفارقة: حيث يوجد الإنسان، لا يوجد المستشفى، وحيث يوجد المستشفى، لا يُفتح الباب للإنسان.
وفي مقابل هذه الصورة القاتمة، هناك تجارب فردية تبعث بعض الأمل. في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، أطباء شباب يحاولون خلق مبادرات تطوعية، يجرون عمليات مجانية، ينظمون قوافل طبية نحو القرى النائية، يصرون على أن يظلوا أوفياء للقسم الذي قطعوه على أنفسهم. هؤلاء يمثلون وجهًا آخر للمشهد: وجهًا يرفض الاستسلام، ويؤكد أن رغم الفساد والبيروقراطية، لا يزال في الأرض رجال ونساء يعاندون اليأس. لكن حتى هذه المبادرات تصطدم دائمًا بجدار الإمكانيات: قلة التمويل، غياب الدعم، وأحيانًا تضييق من السلطات التي تخشى أن يتحول الفعل التطوعي إلى فضيحة سياسية تكشف قصورها.
إن الحياد يقتضي أيضًا أن نضع الإصبع على حاجة المجتمع نفسه إلى تغيير نظرته. فالمريض في المغرب كثيرًا ما يدخل المستشفى بروح مشحونة بالخوف والشك، وإذا لم يجد العناية المثالية، ينفجر غضبًا في وجه الطبيب أو الممرض. والاعتداءات الجسدية على الأطباء صارت خبرًا شبه يومي، يزيد من جرحهم النفسي ويعمق غربتهم داخل مؤسسات يفترض أن تحميهم. هنا تتضاعف الأزمة: طبيب يهابه المريض بدل أن يثق به، ومريض يخشى أن يتركه الطبيب يموت بدل أن يطمئن إليه.
إنها دائرة مفرغة، لا يمكن كسرها إلا بإصلاح شامل يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات بلده. إصلاح يجعل المستشفى مكانًا للشفاء لا مسرحًا للخيبة، ويجعل الطبيب إنسانًا يُحترم لا موظفًا مسحوقًا. لا يكفي أن نبني جدرانًا جديدة أو نقتني معدات متطورة، ما لم تكن هناك إرادة سياسية صادقة لمواجهة الفساد والاختلاس، وما لم نضع الإنسان في قلب المشروع الصحي. فالطب ليس مجرد مهنة، بل هو رسالة، وهذه الرسالة تحتاج إلى بيئة تحميها وتغذيها.
وربما هنا يمكن أن نفهم لماذا يظل بعض الأطباء، رغم كل شيء، متشبثين بأرضهم. إنهم يعرفون أن الرحيل قد يمنحهم مالًا وراحة، لكنه لن يمنحهم ذلك الشعور بالانتماء والرسالة. البقاء في المغرب، رغم القهر، يعني أنهم يقفون كشاهد حي على مأساة وطنهم، وربما كصوت يصرخ في وجه النسيان. وهؤلاء هم الذين سيحملون الشعلة حتى يأتي جيل جديد يواصل الطريق، جيل قد يرى يومًا وطنًا يعامل الطبيب باحترام والمريض بكرامة.
الخاتمة
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا بد أن نطرحه على أنفسنا: أي مستقبل نريده لبلاد يُهاجر منها أطباؤها ويُترك مرضاها يموتون في صمت؟ هل نريد وطنًا يستمر في نزيفه حتى يفقد روحه، أم نريد أن نبني من جديد ثقة بين الدولة ومواطنيها؟ الجواب لن يكون سهلًا، لكن البداية دائمًا من الاعتراف بالحقيقة: أن الصحة حق، وأن الأطباء والممرضين ليسوا أعداء ولا مقصرين، بل ضحايا منظومة فاسدة. إذا استطعنا أن نرى هذا بعيون مفتوحة، فربما نستطيع أن نصحح المسار.هكذا يستمر المشهد، بين ممرات المستشفيات التي تحكي قصصًا حزينة، وبين وجوه الأطباء التي تخفي أكثر مما تُظهر، وبين قلوب الممرضين التي تعبت من الألم. ومع ذلك يبقى هناك ضوء صغير، لأن كل من يقاوم رغم القهر يزرع في الأرض بذرة أمل. ولعل تلك البذور يومًا ما تنمو وتكبر، لتعيد لهذا الوطن كرامته ولأبنائه حقهم في حياة كريمة.